بعض المدن التاريخية بساحل الريف الأوسط بين حياتها وإشعاعها في الماضي، وتعرض مواقعها الأثرية للعبث وللمحو وللنكران...في الأمس والحاضر : مدينة المزمة وموقعها أنموذجا.
بقلم: اليماني قسوح. أستاذ باحث.
المقدمة:
أروم من خلال هذا العمل المتواضع التطرق لجوانب من الذاكرة التاريخية الريفية التي تشكل إرثا جماعيا، ومرجعية تاريخية وحضارية مشتركة على الأقل بالنسبة للمنتمين لمنطقة الريف كفضاء جغرافي وثقافي وتاريخي ظل على مدى التاريخ في تواصل مع مجاله المتوسطي والافريقي. وذلك من خلال التعريف بحياة بعض المدن التاريخية وإشعاعها، والكشف عن بعض مظاهرالتخريب التي تعرضت لها هذه المدن في الماضي وسياسة العبث والمحو والنكران التي- يبدو لي- تعرضت لها المواقع الأثرية لهذه المدن في الأمس، وما تزال تتعرض لها في الحاضر، بخلفيات ومشاريع تستهدف من بين ما تستهدفه - في نظري- إحداث قطيعة على مستويات عدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.في هذا الإطار جاءت مقاربتي لأنموذج مدينة المزمة وموقعها الأثري مؤطرة بالأسئلة التالية:
- ما الإطارالتاريخي والمكاني لمدينة المزمة ؟
- ماذا عن تسميتها وتأسيسها؟
- ما الوضعية التي ميزت المدينة عبر تاريخها منذ نشأتها إلى نهاية إشعاعها كمركز حضري عند هدمها من قبل السلطان العلوي "المولى الرشيد" سنة 1666م 1077هـ؟
- ما الحجم الحقيقي للنموالحضري وللتطور العمراني الذي عرفته المدينة؟ وما مرافقها ؟
- ما الأدوار التي أدتها واضطلعت بها؟ وما مآل موقعها الأثري في ظل السياسة الرسمية لمغرب الأمس واليوم؟
· أولا: التحديد التاريخي والجغرافي لمدينة المزمة.
عرفت منطقة الريف الأوسط عامة وساحلها خاصة استقرارا بشريا قديما، مثلما حضيت المنطقة بآهتمام من قبل جماعات بشرية عديدة على مر التاريخ، مدفوعة بدوافع متعددة. كان من الطبيعي أن تفرز مثل هذه الأحداث في تفاعلها مع عوامل أخرى إقتصادية، واجتماعية، وسياسية، ونفسية، وغيرها، بعض الظواهرالتي عرفتها المنطقة تاريخيا مثل ظاهرة التمدين والمراكز الحضرية . وبآعتبارالأهمية الكبيرة لهذه الأخيرة في حياة الشعوب والأمم، وهي مكان اجتماعي، ومسرح للإنتاج والعمل والسلطة، وظاهرة تفاعل بين العناصر المكونة لمجتمع المكان الصانع للتاريخ في تركيبتها الكلية، يبدواليوم أنها أضحت من بين المواضيع والقضايا التي تحضى باهتمام العديد من الجهات والمؤسسات والفعاليات، من مختلف المواقع داخل البلدان التي تحترم تاريخها وتقدر تراثها وتعرف كيف تستثمرهما في بناء حاضرها والتخطيط لمستقبلها.
تحدثت العديد من المصادر التاريخية التي تناولت تاريخ المنطقة أعلاه،عن احتضان هذه الأخيرة لعدد من المراكزالحضرية والمواقع العمرانية سواء خلال فترة التاريخ القديم أم خلال العصر الوسيط. في هذا الصدد نص ابن عذاري على أهمية العمران الحضري وكثافة التجمعات القروية بالشريط الساحلي المتوسطي لبلاد المغرب إبان دخول الإسلام إلى المنطقة بقوله:" ذكروا أن إفريقية كانت ظلا واحدا من اطرابلس إلى طنجة وقرى متصلة ومدائن منتظمة، حتى لم يكن في أقاليم الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات ولا أكثر مدائن وحصونا من إقليم افريقية والمغرب مسيرة ألفي ميل"[1].غير أن الإضطرابات التي صاحبت انهيار النظام القديم، والصراعات التي واكبت لمدة حروب الفتح، والإجتياحات والهجومات المباغتة من قبل بعض الجهات والأنظمة المتصارعة حول النفوذ والسلطة. كان لها من دون شك أبلغ الأثر في هدم المنشآت والبنيان وتعميم خراب العمران بالمنطقة. [2].
تعتبر مدينة المزمة من أهم المراكز الحضرية التي احتضنها ساحل الريف الأوسط خلال فترة من التاريخ عرفت خلالها المدينة حياة حضرية ونشاطا إقتصاديا مستفيدة في ذلك من موقعها في إقامة علاقات تجارية وربط ضفتي المتوسط اللتان تبادلتا التأثير والتأثرفي إطار تفاعل وتواصل حضاري يمكن ملامسته في كثير من الجوانب، قبل أن تتعرض للهدم من قبل مؤسس الدولة العلوية المولى الرشيد سنة 1666 م/1077 هـ.
وعلى الرغم من المشاكل التي تعترض الباحث في تاريخ هذه المدينة، والمتمثلة في ندرة النصوص المهتمة بتاريخها، والغموض والتضارب والخلط والإرتباك الذي يكتنف روايات بعض المؤرخين والجغرافيين الذين أشارت كتاباتهم المصدرية إلى هذه المدينة إشارة عرضية وسريعة[3] من دون إيراد تفاصيل وافية حول نشأتها وتطورها العمراني، فالمتاح من هذه المصادر قد يسمح بتكوين ملامح وصوربخصوص جوانب من تاريخ المدينة التي يبدو أن العديد من أبناء المنطقة يجهلونها . مثلما أن هذا الجهل يتحول إلى تجاهل لدى بعض القائمين على تسييرشؤون حاضرالمنطقة وعلى التخطيط لمستقبل موعود لها عبر تنمية يبدو أنها لاتعير الإعتبارالمطلوب والواجب للثقافي وللبيئي إلا لماما.
موقع المدينة وموضعها:
كانت مدينة المزمة تقع فوق قمة تل منحدر شيئا ما، تشرف على ساحل البحر الأبيض المتوسط، عند أسفل هضاب أجديرفي أقصى الشمال الغربي لسهل نكور، على الضفة الغربية لواد غيس، داخل خليج تحميه من جهة البحرالجزيرة التي تعرف في المصادر بالمزمة « al-Mazamma » وفي التداول المحلي « Tazrut n Nkur » مثلما وردت في بعض التعبيرات الشعبية بعد تعرضها للإستعمار ب" « Tazrut u Rumi وفي مابعد ب"جزيرة نكور"، التي تكون مع الجزيرتين الصغيرتين المجاورتين من جهة الغرب قبالة شاطئ " SFIHA " حاجزا طبيعيا ضد التيارات البحرية والرياح العاتية. الشيء الذي أهل هذا الموقع البحري ليكون أبرز ميناء بحري على الساحل المتوسطي، وأضخم مرسى في عهد بني صالح، مما أعطى شهرة وإشعاعا للمدينة المرفئية. في هذا الصدد يقول الحسن الوزان:" كانت المزمة مدينة كبيرة واقعة فوق جبل صغير على ساحل البحر المتوسط بالقرب من حدود إقليم كرط، يقع في أسفلها سهل كبيرعرضه نحوعشرة أميال، وطوله ثمنية وعشرون ميلا من الشمال إلى الجنوب،ويمر نهر نكور في وسطه فاصلا بين الريف وكرط(...)"[4]. يظهر مما تقدم، أن مدينة المزمة كانت تحتل موقعا إستراتيجيا بالنسبة للمنطقة، إذ تشكل منفذا بحريا يسمح لها بالإتصال بالعالم الخارجي وبمحيطها البحري الجهوي، ناهيك عن الحماية الطبيعية التي أكسب إياها وجود تلك الجزيرة التي شكلت ملجأ طبيعيا للسكان ولحكام المنطقة، في فترات الحروب وآنعدام الأمن باليابسة.
صورة للجزيرة مثلما هي اليوم ما تزال تحت الإحتلال الإسباني منذ 1673 م (كاميرا الباحث)
وإذا أردنا تحديد موقعها انطلاقا من المعطيات الحالية نقول أن المزمة تقع ضمن تراب جماعة آيت يوسف أوعلي حيث لايفصلها عن مركزها سوى مسافة 600 م، وهي المسافة نفسها التي تفصلها عن الطريق الساحلي، موضعها يبعد عن مدينة الحسيمة بحوالي 11 كلم في اتجاه الجنوب الشرقي.
تم إحداث هذا المسجد على جانب من موقع مدينة المزمة التاريخية وبالذات عند مدخلها الجنوبي. ( كاميرا الباحث)
· ثانيا: التسمية.
كم هي الصعوبات التي يصادفها الباحث حينما يود معرفة أصل أسماء المواقع والأماكن التاريخية والجغرافية ودلالتهما، نظرا لسكوت المصادرواضطراب العلومات التي تقدمها في هذا الإطار، فضلا عن كثرة التصحيفات بفعل النقل والجهل بلسان المناطق التي يدون أصحاب هذه المصادر تاريخها، أوضعف الإلمام به، وبكيفية كتابته بحروف لغتهم التي قد لاتلائم وقد لا تستوعب المستوى الصوتي لمخارج الأصوات والتلفظ والنطق المميز للسان تلك المناطق، فتضيع الكثير من الحقائق.
تعرف المدينة في المصادر العربية التي تناولتها أو ذكرتها ب"المزمة" نسبة للجزيرة السالفة الذكرالتي تقابلها، أي أن هذه الأخيرة هي التي أعطت إسمها للمدينة[5]. ويذكر "Patrice CRESSIER أن جميع الخرائط البحرية المهتمة بالسواحل منذ القرن 16 م تذكر المزمة مكتوبة بكلمات متنوعة من حيث الصياغة مثلAlbouzeme,Buzemma, AL mazimma,Mezemma,Motzama,Mzamma,etc[6]..
أما عن دلالة هذااللفظ/الإسم " المزمة"، فالباحث يشير إلى أنه لفظ عربي مشتق من « al-H' ouzama » الذي يعني:" الخزامى" « la lavande »حسب (L.Massignon,p.244)، بينما يعطي " C.Moran Bardon " للكلمة معنى آخريفيد: الرغبة أوالشوق أوالأمنية أي مايقابل الكلمة الفرنسية "désirée " (Antiguas Poblaciones,p.39)[7]
نفس التأويل نجده عند البوعياشي الذي ذكر رواية مجهولة المصدر جاء فيها: " (...)يقال أن الإسم عربي مصحف عن الخزامى، إسم لعشب كان ينبت في تلك الجهة، ولما وصل العرب في الفتح الأول وجدوه بكثرة، سمو المدينة به، وهكذا بالميم والزاي والميم، وفي بعض هوامش التاريخ المذمة بالذال وهو خطأ صراح، لأن أسماء الأعلام تنضبط بالنقل، وبه تثبت، فألسنة الأهالي لازالت تنقل خلفا عن سلف تسمية مرافق هذه المدينة باسم المزمة فهذه ساقية المزمة (...)، وكان من جملة محاكم ابن عبد الكريم" محكمة المزمة" الي كانت تعتبر المحكمة الرئيسية لقبيلة بني ورياغل(...)، وأما لفظة مذمة بالذال، فإنه تحريف لحرف الزاي إلى الذال وهما كثير الشبه"[8].
يحق لنا أن نتساءل عن العلاقة بين كلمتي الخزامى و المزمة من حيث الكتابة ومن حيث الدلالة من أجل الكشف عن مستوى الحقيقة التي تنطوي عليها مثل هذه القراءات السالفة الذكر. يتمثل المشترك بين الكلمتين في حرفي "الزين" و " الميم" مع وجود ألف فاصل بينهما في الكلمة الأولى وانتفائه في الثانية، التي ينتفي منها أيضا حرف "الخاء" الذي تبتدئ به الكلمة الأولى، ويبدو لي أن هذا لايعتبر تصحيفا وإنما محاولة للإيهام بذلك حتى يقبل المتلقي التفسير المقدم للكلمة الذي يظل في آعتقادي مجانبا للصواب، لأن التصحيف في الكلمة يعني الخطأ في قراءتها أوتحريفها عن وضعها. وحتى إذا أقررنا بكون المنطقة ينمو فيها نبات الخزامى، فالسكان الذين تكشف عنهم المصادرالعربية التي تحدثت عن المنطقة هم أنفسهم الذين يطلقون على النبتة نفسها إسم . Azirأما القول أن العرب الفاتحين الأوائل للمنطقة هم الذين سموالمدينة بهذا الإسم، فيبدو لي أنه في حاجة إلى مراجعة في ظل نتائج الدراسة التي أنجزها الأستاذ أحمد الطاهري في كتابه الموسوم "إمارة بني صالح في بلاد نكور". وتجدر الإشارة إلى أن السكان بالمنطقة يتلفظون إسم المدينة بالصيغة التالية: « REMZEMMETH » وهي كلمة نجد لها دلالات تحيلنا على معاني قد تدفعنا لقبول كيفية إطلاق هذا الإسم على المدينة سواء في اللغة المتداولة على مستوى الريف، أم في اللغة العربية. فجذر الكلمة في الريفية المتداولة بالمنطقة هو:ZM"يقال:Zemmem,izemmem,wa yzemmem,it zemmam, ad izemmem أي: قيد وسجل في العربية وفي الفرنسية:inscrire,enregistrer,écrire,noter[9] . ولجذر كلمة "زم" بتشديد الميم في اللغة العربية معاني تفيد: ربط وشد . ويظهر آنطلاقا من هذه المعاني والدلالات ما ينطبق مع الخصائص والمميزات التي إتسمت بها المزمة وخاصة مرساها من وسق للسلع نحو الآفاق وآستقبال مراكب التجارالمسفرة للبضائع بآعتباره أبرزمحطة تجارية بمجموع الحوض الغربي للبحر المتوسط، على الأقل إلى حدود القرن الرابع الهجري[10]. ولعل مثل هذا الدور يتطلب الدراية والإلمام بمهمة التقييد والتسجيل والشحن و"التزميم"،من هذا الفعل المرتبط بالنشاط التجاري الذي ميز المرسى الذي أفرز المدينة استقت وآستوحت هذه الأخيرة إسمها . ومن الجديرالإشارة هنا إلى انفراد مؤرخ الموحدين البيدق برواية تنسب للخليفة الموحدي عبد المومن تغيير إسم "مدينة المزمة " لدى دخوله إليها بوسمها باللسان الأمازيغي :[11] « Taghzut n zalut » أو « thaghzuyth n thazrut ».
· ثالثا:التأسيس.
في إطار الحديث عن تأسيس مدينة " رمزمث"، يبدو من الجدير الإشارة إلى الإضطراب والخلط والإرتباك الذي يتجلى في روايات ونصوص عدد من المؤرخين والجغرافيين الذين تطرقوا للمدينة مثل: البكري والإدريسي وابن عذاري وابن خلدون والحسن الوزان ومارمول كاربخال، حيث تم الخلط بين المزمة وجارتها نكور. ويظهر أن هذا الخلط مرده إلى الشهرة والتألق والأهمية التي عرفتها المزمة بعد أفول نجم مدينة نكور، حيث ورثت الأولى عن الثانية مكانتها، إن لم يكن على المستوى السياسي فعلى مستويات أخرى إقتصادية ودفاعية بالأساس[12]. نفس الخلط والإرتباك والخطأ وقع فيه بعض الدارسين المحدثين، فهذا محمد الفاسي يقول في إحدى مقالاته[13]:" أما أصل لوسيماس فهو المزمة، وهي مدينة من أولى المدن التي أسسها العرب ببلادنا، إذ في أول الفتح الإسلامي تكونت قبل كل دولة عربية إمارات صغيرة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، كانت من جملتها إمارة بني منصور التي اتخذت عاصمتها مدينة المزمة". غير أن الحقيقة ليست كذلك، فالمزمة كانت مدينة منفصلة مكانيا عن مدينة نكور بمسافة تقدر ب15 كلم تقريبا[14].
وتظل مسألة تأسيس المزمة المدينة عالقة في ظل صمت المصادر التاريخية والجغرافية التي لم تتطرق لتاريخ هذا التأسيس ولا لمؤسسها، بل إكتفت بإلحاق المزمة ضمن المراسي التابعة لنكور. مما يفسح المجال لطرح تساؤلات حول هذا السكوت / الصمت، هل كان عفويا؟ أم أنه نابع عن غياب معطيات تاريخية تهم هذا الجانب؟ وهل يمكن اعتبار هذا الصمت إشارة ضمنية لعتاقة المدينة وقدمها؟
لقد عمد بعض الدارسين الأجانب، إلى موافقة بعض أسماء المواقع والمراكز الحضرية المتناثرة على الساحل المتوسطي مابين طنجة غربا وملوية شرقا، الواردة في بعض المصادر الرومانية، وخاصة اللائحتين المثبتتين لدى بطلموس وفي مسالك أنطونان، مع المواقع المعروفة في العصر الوسيط بالمزمة قبالة حجرة نكور يليها غربا موقعي بوسكور والقلعة، حيث تم موافقة موقع المزمة بAd sex insulas [15] . غير أنه في غياب مزيد من الشواهد التاريخية، وفي ظل قلة البحث الأركيولوجي وضعفه إن لم أقل انعدامه وإعدامه، يبقى الباب مفتوحا لكل الإحتمالات. في هذا الصدد يقول « Patrice CRESSIER »
« on fait géneralement d'al-Mazamma le Ad sex Insulas de l'itinéraire d'Antonin.Mais aucun vestige humain n'y a encore été retrouvé. »[16]
· رابعا: الوضعية التي ميزت المدينة عبر تاريخها:
بالرغم من ندرة المادة المصدرية التي يمكن التعويل عليها في مقاربة هذا الجانب من تاريخ المدينة، فإن ذلك لم يمنعنا من البحث فيه، فبآستغلال ما ورد من إشارات طفيفة في بعض المصادر والمراجع، ووضعها في الإطارالتاريخي العام للمنطقة استطعنا الخروج بآستنتاجات وخلاصات لاندعي لها الكمال، بقدر ماهي بداية في طريق طويل وحافل بالمصاعب قد يؤدي إلى تسليط بعض الضوء على جوانب من تاريخ بعض المدن الريفية المنسي والمتجاهل.
أ – المزمة في ظل إمارة نكور:
ظهرت إمارة نكور مع نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الهجريين، بعد أن أقطع الوليد بن عبد الملك منطقة نكورلصالح بن منصورالصنهاجي النفزي[17] سنة 91هـ[18]. ومع ضعف الدولة الأموية بالمشرق وسقوطها على يد العباسيين، إستقلت إمارة نكور، وتحولت إلى دولة بذاتها توارث بها الحكم أبناء صالح بن منصور. وقد وصل إمتدادها الجغرافي، ونفوذها السياسي من جهة الشرق إلى بلاد زواغة المجاورة لجراوة، مسافة هذا الإمتداد نحوخمسة أيام[19]، وكانت تستقربها بطون أمازيغية كمطماطة، وكبدانة، وغساسة، وبني ورتندي. بينما وصل الإمتداد والنفوذ جهة الغرب إلى بلاد بني مروان المتاخمة لبلاد بني حميد (غمارة)، ومسطاسة،وصنهاجة[20]. أما في اتجاه الجنوب الشرقي، فكان النفوذ يشمل بلاد بني مراسن الي تنتمي إلى ناحية صاع وتاوريرت، إضافة إلى نوع من الهيمنة على قبيلة مكناسة التي كانت بطونها تنتجع على طول وادي ملوية من منبعه إلى مصبه.
كانت عاصمة الإمارة مدينة نكورالتاريخية ، وتتبعها مجموعة من المدن كمليلة وتمسامان وبادس .. وعدد من المراسي مثل كرط وهرك ...والمزمة التي شكلت أهم ميناء يربط الإمارة وعاصمتها بالعالم الخارجي المتوسطي والأوربي. في هذا الإطار يقول الأستاذ أحمد الطاهري:" وليس أدل على مدى ضخامة مرسى المزمة في عهد بني صالح مما أورده عيسى بن أحمد الرازي على لسان موسى بن أبي العافية في رسالته الجوابية للخليفة الأموي عبد الرحمان الناصر إذ قال:" ورد علينا الأسطول المنصوروحل بمدينة نكور".(...) هذا الأسطول الضخم بلغت " عدة مراكبه أربعين قطعة وعدد ركابه ثلاثة ألاف رجل". إلا أن القيمة الحقيقية لمرسى المزمة لايكمن فقط في قدرته على استيعاب المراكب الضخمة بل وخصوصا في تمكن دوره كأبز محطة تجارية بمجموع الحوض الغربي للبحر المتوسط، على الأقل إلى حدود القرن الرابع الهجري وقبل تأسيس مرسى ألميرية بالضفة الأخرى."[21] وتشير رواية شيخ المؤرخين أبي مروان بن حيان لكثرة من كان يقيم بالمزمة من "أصحاب السلامة من التجار"[22].
من الطبيعي في ظل هذا الوضع يقول الطاهري[23] أن تتعدد الخطوط البحرية الرابطة بين العدوتين المغربية والأندلسية عبر مرسى المزمة أبرزها على الإطلاق الخط المباشرنحو مالقة ( مالغا/ مالكا)الذي يستغرق"مجرى يوم بالريح الطيبة العتدلة". ومن المزمة كان "يعبر أيضا إلى بجانة" التي اشتهرت بساحل الأندلس القبلي بآعتباه " فرضة لأهل العدوة". وفي خطوط أخرى كانت المراكب المحملة بأصناف البضائع تبحر من المزمة إلى مرسى"بزليانة" وإلى غيره من المراسي الأندلسية" بساحل البيرة" وأعمال رية مثل مرسى مرية بلش المعروفة أيضا بكونها " مرسى يركب منه إلى بلاد البربر في العدوة"..
كانت المزمة تشكل نهاية الطريق التجارية الصحراوية التي تربط ما بين سجلماسة والبحر الأبيض المتوسط، مرورا بقلوع جارة ونكور[24]، والطريق الأخرى القادمة من سوس والمارة بفاس ثم نكور عبرممرات جبال حمام . ومنها ينطلق التجار في طريقهم البرية في اتجاة تلمسان وتاهرت وإفريقية(أنظر الخريطة أعلاه). وقد جهزت المزمة بالمخازن ومنازل البحاة وإقاماة حاملي السلع والإسطبلات وكل ما يتعلق بالتصدير والإستيراد[25] .
كل هذه الخصائص- يقول جاك كاني- تحملنا على الإعتقاد بوجود نشاط تجاري هام بالمدينة المرسى، يرتكز بالدرجة الأولى على تصديرالمنتجات الجهوية حبوب وأفراس وخشب إلى الأندلس حيث كانت هذه المواد جد مطلوبة[26].
يذكر الحسن الوزان أن المدينة تعرضت للتدمير ثلاث مرات،إذ يقول في هذا الصدد[27]: " كانت هذه المدينة (المزمة) قديما في غاية الحضارة وكثيرة السكان(...) لكنها دمرت ثلاث مرات: خربها أول مرة خليفة القيروان، الذي غضب على أمير المزمة، حيث امتنع عن أداء الخراج المعتاد فسقطت المدينة في يده ونهبها وأحرقها، وقطع رأس أميرها، وأرسله إلى القيروان على رأس رمح عام 318 للهجرة، وظلت المدينة مهجورة خمسة عشرعاما قبل أن يقوم بعض الأمراء بإعادة تعميرها تحت رعاية خليفة القيروان. لكن ملك قرطبة حسده على ذلك، لأن المدينة لم تكن تبعد بأكثر من ثمانين ميلا من حدوده البحرية، وهي مسافة عرض البحر الفاصل بين مالقة الواقعة في مملكة الأندلس، وهي المدينة الواقعة بموريطانيا، بدأ ملك الأندلس يحاول أخذ الخراج فقوبل بالرفض، وأرسل أسطولا إحتل المدينة في فترة وجيزة، لأنه لم يكن هناك أي مدد ينتظر من الخليفة بسبب بعد القيروان عن المزمة بألفين وثلاثمائة ميل، حتى أنه قبل أن يصل طلب المدد إلى القيروان، كانت المدينة قد سقطت ودمرت، وحمل أميرها أسيرا إلى قرطبة".
وإذا حاولنا تمحيص المعلومات الوارة في النص، ووضعناها في الإطار العام للأحداث التي عرفتها المنطقة، يظهر أن الوزان وقع له خلط بين نكور والمزمة في الأحداث التي عرفتها المدينتين، وخاصة بالنسبة للتدمير الأول، حيث أن سياق الحدث كما ذكره الوزان، يفيد أن الأمر يتعلق بنكوروليس بالمزمة.
أما التدمير الثاني الذي تعرضت له المزمة، فالبرغم من أننا نجهل تاريخه، إلا أننا نعرف منفذه وسببه، وهذا ساهم كثيرا في معرفة طبيعة الصراع الفاطمي الأموي المتعدد الأبعاد والمستويات الذي كانت المنطقة الشمالية من المغرب مسرحا له. هذا التدمير ليس مستبعدا سيما بعد تنبه هؤلاء إلى ما كان يطمح إليه منافسوهم الشيعة الفاطميون، الذين وجهوا أنظارهم إلى الإستيلاء على كنوزمدينة سجلماسة ونكور للإستعانة بها على تحقيق أطماعهم السياسية بالمغرب. آنذاك قام الأمويون ببسط سيطرتهم ونفوذهم على عدد من المدن الشاطئية في شمال المغرب، ومنها سبتة، طنجة،مليلية[28]، لذا من المحتمل جدا أن تكون المزمة من ضمن المدن التي أراد الأمويون بسط سيطرتهم عليها ( أخذ الخراج منها) غيرأنه أمام الرفض الذي أبدته دمروها[29].
أما الحملة الثالثة التي يعود تاريخها – حسب الوزان – إلى 872 هـ، فإننا سنؤجل الحديث عنها ريثما نصل إلى تاريخ المدينة في هذه الفترة.
وعلى أي حال، فالمزمة في ظل إمارة نكور كانت تعتبر مرسى تابعا لها، له من المؤهلات ما يجعله قادرا على الإرتقاء والتطور أكثر ليصبح مركزا حضاريا في المستقبل، وهذا ما حصل فعلا. يقول الباحث أحمد الطاهري:"سرعان ما أصبح مرسى نكور(...) بمثابة النافذة الأساسية إلى مختلف الآفاق والقلب المحرك للعمران بمجموع السفوح المشرفة على الفحص. أسفر ذلك عن انتظام العمارة حول المرسى وامتداد البناء محدقا بالمسجد المنارة مشكلا مدينة قائمة المعالم"[30]. ومع تدمير مدينة نكور العاصمة وتخريبها من قبل مؤسس الدولة المركزية المرابطية يوسف بن تاشفين سنة 474 هـ /1080 م، استطاعت المزمة أن تحمل المشعل وتتألق وتستمرفي أداء رسالتها الحضارية .
ب – المزمة في ظل الدولة الموحدية:
إهتم الموحدون بمدينة المزمة وأولوا لها العناية في إطار مشروعهم، يتضح ذلك من خلال الإجراءات التالية:
- قيام الخليفة عبد المومن بن علي الكومي بتغيير إسم المدينة تحت إسم: "Taghzut n zalut » أي: « thaghzuyth n thazrut » بالتداول الأمازيغي المحلي وذلك بعد زيارة ميدانية للمدينة، حسب رواية البيدق المؤرخ الرسمي للدولة الموحدية المشار إليها سابقا.
هذا الإجراء يتناغم مع السياسة اللغوية للدولة الموحدية ومع توجهها الذي وظف الأمازيغية في مشروعها .
- " في سنة إحدا وستمئة بنا يعيش عامل أمير المؤمنين الناصر الموحدي على بلاد الريف سور مدينة بادس وسور المزمة وسور مليلية، خوفا عليهم من فجأة العدو النصراني"[31].
إن الإهتمام الموحدي الذي تجلى في عملية التسوير لم يكن إزاء مدينة المزمة وحدها، وإنما يدخل في إطار سياسة التحصين التي نهجها محمد الناصرتجاه مدن المناطق الشمالية التي كان يهددها الزحف الإيبيري، الذي أخذ يستفيق بعد أن اقتنع ملك قشتالة بضرورة الإتحاد من أجل مهاجمة الأراضي الإسلامية والوقوف في وجه الموحدين[32]، وأيضا في إطار الإستعداد للعبور إلى الأندلس، وهو ما أسفر عن انهزام الموحدين أمام الإسبان في معركة العقاب في 15 صفر609 هـ[33].
عرفت مدينة المزمة في ظل هذه الدولة نوعا من النشاط التجاري، يتجلى ذلك في تلك النقود التي عثر عليها في إحدى القرى*، وهي نقود فضية مربعة الشكل في إحدى وجهيها" الله ربنا محمد رسولنا، المهدي إمامنا"، وفي الوجه الآخر " لاإله إلا الله الأمر كله لله، لاقوة إلا بالله"[34]. وحسب البوعياشي، فإن هذه النقود بالرغم من أنها خالية من التاريخ إلا أنها ترجع إلى سنة 550 هـ/1166م، لأن عبد المومن في هذه السنة أمر بضرب السكة باسم دولته[35].
هكذا يتضح أن المزمة في ظل هذه الدولة حضيت بالعناية والإهتمام، حيث أصبحت محصنة بسور- ماتزال بعض آثاره موجودة إلى اليوم – يحمي سكانها وممتلكاتهم من الخطر الأجنبي، وهي بذلك بمثابة قاعدة متقدمة يرابط فيها المجاهدون لمراقبة تحركات الإيبيريين.
رسم تقريبي للموقع الأثري لمدينة المزمة.
باب وبرج خندق بعرض2م وطول60م
ووو المدخل الرئيسي
باب وبرج باب باب وبرج
ضريح سيدي بومدين
المرسى شاطئ صفيحة المرسى
الجزيرتين جزيرة المزمة(نكور) البحر الأبيض المتوسط
ج- المزمة في ظل الدولة المرينية:
عرفت المزمة تراجعا في أهميتها في ظل حكم المرينيين الذين صرفوا أنظارهم عنها لصالح مدينة بادس. وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمان الطيبي:"إن المرينيين أولوا اهتماما خاصا بالريف، حيث انصرفوا عن مدينة المزمة إلى مدينة بادس نظرا لأهميتها الإستراتيجية نتيجة الصلات الوثيقة التي أصبحت تربط المرينيين بالأندلس وخاصة مالقة، واتصالاتهم بمدينة فاس. وبذلك تحول اهتمام المرينيين عن المنطقة الشرقية للريف بعد ثورة يحيى بن الوزير الوطاسي التي كانت تهدد باستمرار السواحل الشمالية."[36]ورغم ذلك، ظلت المزمة تابعة للمرينيين ومولية لهم، يظهر ذلك من خلال ما أورده البوعياشي من أنه" لما توفي السلطان يعقوب المنصور بالأندلس في 12 محرم 685هـ قام شخص من بني كميل على شاطئ الريف الغربي(...) بدعوى للفاطميين، وقد تحين فرصة موت يعقوب المنصور المريني، ومستغلا الفتن التي قامت إثر تولية ولده يوسف بن عبد الحق، وتنقل هذا الأخيرإلى مراكش لضبط الأمور، فأعلن الحاج العباس ابن صالح الذي كان ينسب للتصوف الدعوة يوم عاشوراء سنة 688 هـ، وبعدما استولى على بادس وجبالها تبين له الإنتصار، فأراد إخضاع الريف جميعه، فجمع جموعه وذهب لآحتلال المزمة بسهول بني ورياغل، إلا أن أبناء القبيلة صمدوا له، وعندما هجم على المدينة قتل الثائر، وبقتلها انتهى أمره، وصلبت جثته بباب المزمة"[37].ويظهر أن هذه الرواية أوردها عبد الحق البادسي [38]حين أشار إلى أن الدعاية الفاطمية الشيعية أخذت تنتشر في الريف بقيادة رجل يسمى الحاج عباس بن صالح اللذي بدأ يدعو للمذهب الفاطمي بمجرد عودته من المشرق زاعما أن" الوقت قريب"، واستطاع أن يجمع حوله عددا كبيرا من الناس وكادت دعوته أن تعم جميع قبائل الريف الأوسط، إذ استولى في عاشوراء من أواخر سنة 685 هـ على مدينة بادس وتوجه إلى مدينة المزمة واصطدم بفرقة بني وطاس وهزموه ولقي حتفه هناك يوم 20صفر الخيرعام 685هـ/6 أبريل 1287م. حيث صلبت جثته في باب المزمة[39].
وفي أواسط القرن الثامن الهجري الرابع الميلادي، كانت المزمة يسودها الأمن والأمان، وتربطها علاقات في هذا المجال مع مدن أخرى مثل بادس: ففي كتاب مناقب أبي يعقوب البادسي " أن أحد السراق سرقوا حوالي أواسط القرن الثامن كيسا لأحد الأندلسيين ورد على بادس، وأخذها السارق وهرب إلى المزمة، وبعد يومين من وقوع الحادثة وصل رسول من المزمة بكتاب من وليها يقول فيه:وصل هنا رجل من الغزاة وبيده شكارة، فإن كان هناك من ضاع له شيء، فليأت، فتوجه الرجل الذي ضاعت منه شكارته إلى المزمة وأخرج زمامه وذكر فيه جميع ما في الشكارة"[40].
النص وثيقة تاريخية تبرز مدى العلاقة التي كانت تربط بين المدينتين الساحليتين الريفيتين في المجال الأمني، والعمل على سلامة أموال الأجانب والتجار.
بعد قرن من هذه الفترة يخبرنا ليون الإفريقي ( الحسن الوزان) عن التدمير الثالث الذي تعرضت له المزمة . تاريخ هذا التدمير يرجع إلى النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وبالضبط سنة 872 هجرية[41]. لكن ما ينقص هذه الرواية هو عدم ذكرها للجهة المسؤولة عن الهجوم الذي أسفر عن تدمير المزمة. غير أن تاريخه المذكور يتزامن والتكالب الإستعماري الإيبيري على السواحل المغربية المتوسطية والأطلسية، والذي انتهى بآحتلال العديد من المدن الساحلية، فليس مستبعدا أن تكون مدينة المزمة من ضمن هذه المدن التي كانت هدفا للحملات الإيبيرية ( البرتغالية). وما يجعلنا نرجح ذلك، هو ما جاء في كتاب: « La guerra del moro a fines del siglo xv » للمؤرخ الإسباني " ماركوس خيمينيسذي لااسبادا" الذي قال:" في سنة 1479 م شاركت أيضا في الهجوم الذي قام به البرتغاليون ضد جزيرة نكور، وقد نزلنا بالجزيرة وكان عدد القتلى والأسرى من المغاربة الذين سقطوا أثناء العملية مائة وخمسين نفرا"[42].
هذا التاريخ الوارد في النص الإسباني حول الهجوم على جزيرة نكور المقابلة لمدينة المزمة، يكاد يوافق التاريخ الذي ذكره الوزان عن التدمير الثالث الذي تعرضت له المدينة. التاريخ الهجري 872هـ الذي ذكره الوزان يقابله 1467م، وبالتالي من المحتمل جدا أن تتعرض المزمة التي أبت إلا أن تظل ريفية مغربية للتدمير الإيبيري في فترة تكالبه الإستعماري على المدن الساحلية في أواخر الدولة الوطاسية وبداية الدولة السعدية، والتي في ظلها نفتقر إلى المادة المصدرية التي قد تساعدنا على إعطاء صورة واضحة عن وضعية المزمة وحالتها. ومع ذلك، نعتقد أنها استعادت أنفاسها من جديد. يبدو ذلك من خلال الوصف الذي قدمه الوزان الذي عاش في تلك الفترة(توفي قبل سنة 1550م) قائلا: "كانت المزمة مدينة كبيرة واقعة فوق جبل صغير(تل/ ربوة) على ساحل البحر المتوسط، وبالقرب من حدود إقليم كرط، يقع في أسفلها سهل كبير، عرضه نحو عشرة أميال، وطوله ثمانية وعشرون ميلا من الشمال إلى الجنوب، ويمر نهر نكور في وسطه فاصلا بين الريف وكرط، يسكن هذا السهل أعراب يحرثون أرضه ويحصدون منه كميات عظيمة من القمح، يبلغ نصيب أمير بادس منها زهاء خمسة آلاف مكيال"[43].
د – المزمة في أواخر الدولة السعدية:
بعد رحيل السلطان السعدي أحمد المنصور، تقاتل أبناؤه على الحكم، وحارب المأمون أخويه أبا فارس وزيدان، فكانت الهزيمة من نصيبه، فرحل إلى إسبانيا،وآستنجد بملكها، وكان شرط هذا الأخير تنازل المأمون له عن العرائش . قبل المأمون الشرط، ونزل بجزيرة بادس(1018هـ /1609م) فآنتهز الإسبان الظروف، وزحفوا بجيشهم انطلاقا من الجزيرة إلى قلب الريف، وآحتلوا المزمة على الساحل المقابل لجزيرة نكور في 4 رمضان 1019 هـ الموافق ل 1610م. ولبس المغاربة لباس الحداد والغم حزنا على ضياع مدينتا العرائش والمزمة بالريف [44].
هـ - المزمة عاصمة إمارة ايث رعاص( آل أعراص) مابين: 1636 و1666/1046هـ ـ و1076هـ.
أعراص أو إعراصن بالصاد في بعض المصادروالمراجع، وبالسين ( أعراس،إعراسن) في البعض الآخر. أسرة ريفية من بقيوة بناحية بادس ورد إنتماؤها إلى صنهاجة الأمازيغية، وأشيرإلى أنها هاجرت من الأندلس وآستقرت جنوب مدينة بادس التاريخية بجوار منبع عرف بآسم" تلا ن بادس" (Tla n BADES) أي منبع رافد واد كركرالحالي، الذي تجري مياهه نحو ساحل بادس، وتعرف الأسرة أيضا بأولاد البادسي، ويذكر أن لها سلفا في الصلاح، ولذلك كانوا يسمون بالأمازيغية الريفية "إصرامن" و " إقرامن"ومعناه: العلماء؟ ! .وما يزال مدشرهم محتفظا بآسم الأسرة " آيث رعاص" « Ayth r3as »/ بنفس المكان من قبيلة بني بوفراح . للأسرة أصداء في المصادر المغربية والأجنبية، نظرا لما كان لها من دور بارز في المنطقة خلال حكم السعديين وبداية حكم العلويين. بني لهم عبد الغالب السعدي القصبة المعروفة بآسمهم بتلا ن بادس (اسنادة حاليا) إثر آستيلاء الإسبان على جزيرة بادس وهدم المدينة سنة 972هـ/1564م، فكان منهم قواد الريفين الشرقي والأوسط. وما تزال أثار نفوذ الأسرة ممثلة على الخريطة بمداشرتحمل إسم الأسرة ودالة على ما كان بيد أفرادها من أملاك، خاصة بقبيلة قلعية، مثلما نجد العديد من الأسر إلى اليوم تتلقب بأعراص.
تمكن أحد أفراد هذه الأسرة المعروف بأحمد أعراص من تأسيس إمارة ريفية إستمرت من 1046هـ/ 1636م إلى 1076هـ/ 1666م[45]. مستفيدا في ذلك من ضعف السلطة المركزية خلال أواخر الدولة السعدية وبداية الدولة العلوية، في الوقت الذي كانت بعض القوى الأوربية وخاصة: بريطانيا وإسبانيا وفرنسا تسعى إلى الإستفادة من بعض الإمتيازات، وحماية مصالحها بالمنطقة. غير أنه بمجرد ما أن اصطدمت مصالح مؤسس الدولة العلوية بالكيان الريفي الذي كان على رأسه الأميرأحمد أعراص الذي رفض الإنقياد وراء مشروع المولى رشيد القاضي بتوحيد المغرب تحت سلطته الروحية والزمنية، وهو كله طموح واستعداد لقبول القران والإستجابة لمصالح القوى الخارجية الأوربية وامتيازاتها مقابل إمداده بالسلاح اللازم لقمع القوى الداخلية المعارضة أو المتبنية لمشروع يراه مناقضا له. هكذا، تدخل الحاكم العلوي لوضع حد لأي طموح ريفي في الإحتفاظ بحكم المنطقة وتسييرها، وأفضى تدخله العسكري أيضا إلى هدم العاصمة الحاضرة مدينة المزمة، القلب النابض للمنطقة على مدى فترة طويلة من التاريخ.
· خامسا: نهاية مدينة المزمة التاريخية.
شكلت نهاية مدينة المزمة في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي/ الحادي عشر الهجري، حدثا لافتا في تاريخ ساحل الريف الأوسط خلال تلك الفترة. هذا الحدث جاء في ظروف إتسمت بتزايد أطماع القوى الخارجية حول السواحل المغربية، مثلما اتسمت أيضا بالصراعات الداخلية بين السلطة العلوية الناشئة التي أخذت على عاتقها توحيد المغرب، وبين بعض القوى والزوايا التي كانت مشاريعها وطموحاتها ومبادراتها تقف في وجه مشروع دولة ونظام حكم وسلطة قائم على التمركزوالإجماع والإنصياع ...لامجال فيه للإختلاف، وحتى أواصر الأخوة والمودة والنسب والترابط العائلي قد لاتجدي. هكذا زحف المولى رشيد العلوي (تولى الحكم مابين:1664م و1672م) الذي اتخذ من الريف قاعدة شمالية لتعزيز خطته التوحيدية[46] ، نحو بني توزين فآستولى على قصبة تافرسيت وهدمها سنة 1074هـ/ 1663م، ثم عاود حربه فآستولى على مدينة المزمة عاصمة إمارة آل أعراص، وهدمها وقبض على عبد العزيز(عزوز) ابن أحمد أعراص الذي كان على رأس الإمارة الريفية، بينما فر الأب إلى قصبة " تلا بادس" . وطلب الصلح لقاء اصهار المولى رشيد إليه في ابنته "طامة" وتسريح ابنه عبد العزيز. غير أن أحمد أعراص لم يتوان عن إظهار خلافه بمجرد وصول المولى آمحمد إليه، والزحف نحوه لمحاصرة حلفاء المولى الرشيد من أولاد حمامة التمسمانيين. وحينما قتل المولى آمحمد سنة 1047هـ/ 1664 بسهل أنكاد من قبل أخيه، توجه هذا الأخير ( المولى رشيد) نحو قصبة أولاد أعراص بتلا بادس (اسنادة) وتمكن من هدمها، التجأ أحمد أعراص إلى صخرة بادس تحت حماية الإسبان، بينما فر أتباعه إلى الخضر غيلان الذي كان له رئاسة ونفوذ يتقاسمه مع آل النقسيس بتطوان ونواحيها ، ولم يلبث أحمد أعراص أن نزل عند رغبة ابنه عبد العزيز لقبول الصلح ثانية، وهو ما تم في سنة 1076هـ/ 1665م[47].
إن السبب المباشر الذي كان وراء حملة المولى رشيد على مدينة المزمة هو عصيان أميرها لأوامر السلطان الملك. وفي هذا الصدد يقول البخلاخي:" ثم ذهب المولى الرشيد إلى الريف لقمع ثورة صهره المتمرد عليه (وهو) أمير مدينة المزمة بالريف الذي أبى التكتل معه لمحاربة الدلائيين وإخراجهم من مدينة فاس، وانتهت معارك المولى الرشيد مع أعراص بالتصالح وفقدان مدينة المزمة، فقد هدمها المولى الرشيد سنة 1077هـ/ 1666م"[48]. بينما يقدم ابراهيم حركات رواية أخرى يفسر فيها أسباب ثورة أعراس (هكذا كتبه بالسين ويسميه عبد الله وليس أحمد) وسحقها من قبل مولاي رشيد، ورد فيها: " ثم اتجه مولاي رشيد إلى الريف للآستنزال عبد الله أعراس الذي قاوم بشجاعة قبل أن يستسلم لمولاي رشيد، وقد عفى عنه السلطان وأكرم مقامه. وإذا كانت ثورة أعراس سياسة في مظهرها فهي ذات طابع مادي في مخبرها ، ذلك أن أعراس سمح لبعض التجار الأنجليز بإقامة مركز تجاري في خليج الحسيمة ، وكان الأنجليز قد حصلوا على ميناء طنجة الذي قدمته البرتغال في مهر "كاترين" إلى "شارل الثاني" منذ 1661م . وكان للفرنسيين أيضا رغبة في إقامة مركز تجاري بالريف منذ عهد الوزير "مازران"، غير أن إسبانيا كانت تعد نفسها رقيبا على الساحل الريفي بحكم آحتلالها لمليلية. فحصل التاجران المرسيليان"ميشيل"و"رولان فرجوس"، وهما أخوان على إذن من السلطة الإسبانية المركزية ، بإقامة شركة في الحسيمة (يقصد جزيرة نكور) وذلك في 1664م . ولكن، ما أن همت الشركة بآستغلال مشروعها سنة 1666م ، حتى كانت ثورة أعراس قد تم سحقها على يد مولاي رشيد الذي عاد بعد انتصاره إلى تازا، وهناك استقبل التاجرين الكبيرين استقبالا وديا، ورحب بهما، وقد كتبا تقريرا مفصلا عن رحلتهما حيث يتحدثان عن المزارع الخصبة التي صادفاها، وحسن الإستقبال والضيافة حيثما حلا. وقد أذن لهما السلطان بإقامة الشركة، وعرض عليهما تزويد المغرب بالسلاح، على أن الشركة لم تستمر في نشاطها إلا بضع سنوات، حيث أفلست سنة 1670م، وعوضت بشركة فرنسية أخرى. غير أن الإسبان استولوا على الحسيمة(الجزيرة) عقب وفاة مولاي رشيد، وهكذا انتهت الإمتيازات التي تمتعت بها الشركة في عهده"[49].
· سادسا: حجم التدميرالذي عرفته المزمة والعبث بما تبقى من مرافقها.
لا تفصح المصادر التي تحدثت عن هدم مدينة المزمة من قبل المولى الرشيد، عن حجم التدمير أو الهدم الذي تعرضت له هذه المعلمة. بيد أن بعض المصادرالتي أرخت لأحداث لاحقة عرفتها المنطقة تجعلنا نقر بآستمرار عدد من مرافق الحاضرة وبنياتها الدفاعية العسكرية والدينية. والتي سيتم العبث بها من قبل رجالات المخزن الإسماعيلي وعماله الذين كانوا يشرفون على المنطقة. مما سهل مأمورية قوة الإحتلال الإسباني التي كانت تتربص بالمنطقة لفرض قبضتها على جزيرة نكور وغيرها، و قصف البرج الذي كان يقابلها من جهة البر ونهبه (برج الجاهدين)، رغم الخطوات النضالية، والتضحيات الجسام التي قام بها أهل الريف في سبيل الدفاع عن معالمهم، وسيادتهم على أراضيهم التي اغتصبت منهم في ظل ظروف وأوضاع داخلية وخارجية متداخلة . وفي هذا الصدد، تحدث أحد أبناء الريف وهو من مؤرخي الدولة العلوية الناشئة المعروف بعبد الكريم بن موسى الريفي قائلا[50]: "وقد كان مولانا الرشيد أمر قائده يحيى أعراص أن يبني قصبة على حجرة النكور من بلاد الريف مع داهية الأشياخ أبي حفص عمر بن حمامة، وآشتغل ببنيانها حتى انكملت بالبناء والتشييد وشحنوها بالأقوات والزاد، وعمروها بالرجال والعدة والاعداد، وبقيت دار إسلام حياة مولانا الرشيد ونحو العامين من خلافة مولاي إسماعيل، إلى أن باعها للنصارى دح الخطيب كما روي عن كثير من أهل الريف. وكان دح المذكور هو العامل على الريف في معظم الهرج والفتن، ونزلها النصارى في المراكب والسفن، وحاصروها وداروا بالقصبة من كل جهة إلى أن دخلوها صلحا بعد الحصارالشديد وذلك في أواخر سنة 1084هـ (الموافق 1673م) ( أو) بعدها، وهي الآن دار كفر أعادها الله للإسلام.
أما البرج الذي كان بالبر يقابل الحجرة التي في البحر، أخذه النصارى أيضا عند عزل أمير المؤمنين مولانا إسماعيل الباشا عبد الكريم الخطيب عن الريف، أيام حصار السلطان المذكور لمدينة تارودانت، وقد قيل إن الباشا عبد الكريم المذكورهوالذي باع البرج للنصارى أيضا كما فعل ابن عمه دح بالحجرة المذكورة، ومما يدل على تصديق ذلك أن الذين ساروا من أهل الريف إلى أمير المؤمنين لتارودانت لم يظهر لهم خبر ولا أثر لأجل شكايتهم بما فعل بالبرج المذكور، فحصروا النصارى على البرج برا وبحرا إلى أن دخلوا بالمينات، ونهبوا ما وجدوا فيه من المتاع والأموال ومات عليه كثير من الناس، والباشا عبد الكريم الخطيب في تلا بادس عازم على الرحيل في ذلك اليوم، وهو يسمع مافيه المسلمون مع النصارى من قتال عظيم، وقد احتجوا عليه بذلك بأنه باعه وقبض ثمنه.
وكان قبل ذلك حرك لبادس للنصارى وأخذ الأنفاض التي كانت بالبرج المذكور، فتركها في بلاد بقوية، ولم يرد الأنفاض للبرج، فعند ذلك أخذه النصارى بالمينات عنوة وذلك في سنة 1080هـ ولله دار القائل: قد قيل ما (قيل) إن صدقا أو كذبا، فما اعتذارك عن قول إذا قيل وهذا القول عند جميع أهل الريف ولا عندهم في ذلك خلاف لأنه كان يسمع صوت البارود والمدافع والأنفاض كالرعود، وهو وأصحابه خارجون إلى مدينة مراكش وكان مولاي إسماعيل ولاه عليها وعلى أحوازها " .
من بقايا حصن المزمة (برج المجاهدين ). ( كاميرا الباحث)
بالموازاة مع هذا النص المغربي، تظهر وثيقة إسبانية - عبارة عن رسم توضيحي للحصار الذي تعرضت له جزيرة نكورمن قبل قوات بحرية إسبانية صاحبها شارك في الحصارالمؤرخ ب28 غشت 1673م - بعض مرافق مدينة المزمة حيث معالمها بادية للعيان من سور، وأبراج، وأبواب، ومسجد، ودور، وبساتين بأحوازها. إلى جانب كل هذا، تكشف الوثيقة عن المراسي والمرافئ القريبة للمدينة وتظهر جزيرة نكور(المزمة) مشيدة البناء، محاصرة من كل الجهات، مثلما ذكر نص عبد الكريم بن موسى الذي أوردناه أعلاه.
صورة لجزيرة نكور المحتلة من قبل الإسبان منذ 1673م/ 1084هـ.(كاميرا الباحث).
الوثيقة غير منشورة زودنا بها الأخ والصديق محمد الجطاري الباحث والمتخصص في علم الآثار( خريج معهد الأركيولوجيا).
تعرضت المزمة لقصف القوات الإسبانية خلال هذه الفترة، وخلال الفترات اللاحقة عندما حول السكان موقعها لرباط أقاموا به حصنا لمراقبة الإسبان والرد على محاولات تسربهم نحو البر، خاصة خلال مرحلة المقاومة بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي. لذلك أمطر الموقع بوابل من القنابل والمقذوفات التي أضرت من دون شك بما تبقى من مرافق المدينة التي تضررت أيضا بعوامل طبيعية إلى جانب إهمال ولامبالاة الإنسان القريب، والمنتمي والمتحمل لمسؤولية التسيير.
صور مقذوفات عبارة عن كرات حديدية ثقيلة كانت تقذفها المدافع الإسبانية انطلاقا
من الجزيرة ومن متن السفن الجاثمة بالبحر والمحاصرة للبراتجاه موقع المزمة .(كاميرا الباحث)
· سابعا: النمو الحضري والتطور العمراني لمدينة المزمة ومرافقها.
في هذا الصدد، يقول الأستاذ الباحث أحمد الطاهري: " حقيقة أن المصادر المتاحة تكاد تصمت عن ايراد التفاصيل المرتبطة بنشأة مدينة المزمة وتطورها العمراني خلال عصربني صالح. مع ذلك لاتعوزالقرائن الدالة على تحولها منذ تأسيس نكور وطوال القرنين الثالث والرابع الهجريين إلى أبرز ميناء بحري على طول الساحل المتوسطي"[51] . وحول الميناء انتظمت العمارة، وامتد البناء محدقا بالمسجد المنارة مشكلا مدينة قائمة المعالم[52]. يتضح مما سبق، أن مدينة المزمة ارتبط ظهورها بالنشاط البحري لمينائها الذي استقطب مجموعة من المرافق والمعالم والبنيات. أبرزها المسجد الذي أنشأه سعيد بن إدريس على "صفة مسجد الإسكندرية بمحارسه وجميع منافعه" ، ولعل في استقراء ما تواترته المصادر العربية بخصوص مواد البناء والتقنيات المعمارية الرفيعة ودرجات التعقيد الهندسي المستعملة في بناء مسجد الإسكندرية، ما يبرز درجات النضج التي أصبح عليها العمران الحضري منذ هذه الفترة المبكرة من تاريخ نكور[53] .
صوربصمات طلاء ونقوش وزخارف على أحد أسواربرج المجاهدين أو ما يسمى ب ثامزكيذا ثاقذيمت تبدو متحدية الزمن (كاميرا الباحث)
ومن المرافق الأخرى بالمدينة : الإقامة الأميرية لبني صالح التي كانوا يترددون عليها للراحة والإستجمام أو ملجأ من المخاطر أثناء فترات الأزمة والحصار. والغالب على الظن أن هذه الإقامة قد رفعت بناء محصنا على الجزيرة الصغيرة الواقعة داخل البحر قبالة المرسى[54]. من هنا يتضح أن الجزيرة وما كان بها من مباني كانت تعتبر من المرافق الحربية والتجارية لمدينة المزمة . هذا الدور المزدوج للجزيرة ارتبط بحضارة نكور والمزمة، وسينتهي بأفول هذه الحضارة لتتحول إلى مجرد نقطة من نقط الدفاع على الساحل الريفي، إلى أن سقطت في أيدي الإستعمارالإسباني سنة 1673م وما تزال تحت قبضته إلى الآن. أسماها الإسبان في البداية: « san Auguistin y san carlos » قبل أن تشتهر لديهم بصخرة الحسيمة « Pénon de alhucemas » . تبعد عن الساحل بمسافة 1250 متر، ومساحتها1239 م² ، وترتفع عن البحر بنحو 27 متر[55] . بالقرب من مدخل المدينة من جهة الجنوب يوجد خندق اصطناعي يقطع التل ممتدا من الشمال إلى الجنوب حيث يقف عند انكسار الإنحدار ليفسح المجال لمدخل المدينة، طوله 60 مترا، وعرضه يتراوح مابين: متر وثلاثين سنتمتر(1.30م) ومترين (2م). خلفه شيد سور ضخم من التراب المدكوك يحيط بالمدينة تتخلله مجوعة من الأبراج الدفاعية إلى جانب عدد من الأبواب(أنظر الرسم التقريبي لموقع المدينة والوثيقة الإسبانية أعلاه )، لعله السور الذي شيده الموحدون في عهد محمد الناصر، ومعالم أساسه ما تزال موجودة في هذا القسم الجنوبي عند المدخل مستوية مع سطح الأرض. الفضاء الداخلي للمدينة الذي يشرف ويطل بدوره على محيطه الخارجي كانت توجد به بناية مستطيلة الشكل أو قائمة الزوايا تسمى المسجد. بدون شك بتعبير" CRESSIER Patrice "[56] هي التي أشار إليها Auguste MOULIERAS[57] وخصها بالوصف - اعتمادا على مخبره القبايلي محمد بن الطيب( الملقب بالدرويش) الذي تجول في ربوع الريف مدة تفوق العشرين سنة (ما بين 1872 و 1893م) عندما قال : يوجد بأجدير خمس مساجد، أكبرها مخصص للخطبة موجه صوب الجزيرة ، ومن كل جهاتها تنتشر كرات القنابل المقذوفة انطلاقا من الجزيرة والبحر. هذا المسجد ( الموحدي حسب تحديد G. Delbrel ) يضم مركزا أمازيغيا عبارة عن بناية كبيرة شبيهة بثكنة عسكرية عديدة الحجرات.
من جهة أخرى،إلى الأسفل أشار C. Moran Bardon إلى وجود فعلي لبناية أخرى صلبة كانت حصنا . داخل أسوار المدينة تشاهد بعض بقايا المنازل والمغارات الإصطناعية (ربما مطامير)، لكن المجال مغطى بالرمل. عند البحر يرتفع المستوى الطبوغرافي للسطح ليظهر خط من الأحجار ربما خصص لوقف زحف الرمل ورصيف اسمنتي.
بين مركز المدينة والبحر يمتد سور واسع يقطعه سور آخر اسمنتي. وفي الحقول المجاورة يوجد بئر المجاهدين « Anu imjahden » الذي كان يروي المدينة ، طبعا إلى جانب ساقية المزمة التي كانت تخترق المدينة في اتجاه ما يسمى حاليا بالملعب عند مدخل صفيحة.
ومن خلال المعاينة الميدانية للموقع وقفنا عند انتشار لافت لبقايا أجزاء من الخزف، سبق لبعض الباحثين الأجانب أن قدموا وصفا لها ، حيث أشار « Patrice CRESSIER » إلى معاينة خزف قديم لماع وداكن. وقدم الباحث الأمريكي " C. Coon " في كتابه : " Tribes of the RIF,p.4 " بعض الصور الفتوغرافية لأجزاء وكسرات خزف بعناصر جميلة مرشومة ( حرزه بئر) خصائصها تعود للفترة الوسيطية[58] . مثلما وقفنا عند معالم أرضية مرصفة بأحجار لممر مدخل أحد أبواب المدينة في الجهة الجنوبية الغربية.
يبدو مما سبق، أن المدينة عرفت نموا عمرانيا عبر تاريخها، غير أن المعلومات التي تفصح عنها المصادر والمراجع التي تطرقت لهذه المعلمة الحضارية في هذا الصدد، غير كافية لتقديرالحجم الحقيقي للنمو الحضري ودرجاته الذي بلغته المدينة. وفي ظل غياب البحث الأركيولوجي - الذي لو تم إنجازه في وقته لساهم في استكمال واتضاح عدد من القضايا والجوانب المسكوت عنها في المصادر- يظل أي تصور حول الطبيعة العمرانية وخصائص التطور العمراني مجرد تأويل في حاجة إلى دليل يعضده ويؤكده.
غيرأنه من المؤكد حتى الآن، أن المدينة قامت وساهمت بأدوار عديدة، سواء على المستوى الإقتصادي، أم على المستوى التواصل الحضاري والإشعاع الثقافي، فضلا عن دورها الدفاعي العسكري والسياسي .
· ثامنا: مآل الموقع الأثري لمدينة المزمة في ظل السياسة الرسمية لمغرب الأمس واليوم.
من خلال معاينة ميدانية للموقع تم الوقوف عن كثب عند المشاريع التي أنجزت به من قبل الدولة وبعض المقاولات والمؤسسات التي لم تراع أهمية الموقع ومكانته التاريخية. ذلك أن الزائر للموقع لايجد أية إشارة أو علامة أونصب تذكاري يشيرإليه أو يعرف به، ألا يعد هذا قمة النكران والنسيان والتجاهل من قبل المسؤولين؟! الذين قاموا في سنوات الخمسينات من القرن الماضي بتشجير الموقع بأشجار الصنوبروالكالبتوس(الصفصاف) تحت مبرر حجز زحف الرمال البحرية نحو الأراضي الفلاحية، بعد ذلك بمدة ليست بالطويلة في ستينات القرن الماضي، تم إنشاء المركب السياحي نادي البحر الأبيض المتوسط، بيوت بسيطة التكوين تختلف عن البنايات الإدارية وفضاءات الإستقرار والإقامات الجماعية المبنية بالخرسانة بعد عمليات هدم وحفر بالجرافات، مما أضر البنيات الأركيولوجية للموقع الأثري لمدينة المزمة، بيد أن مدخل المركب إلى جانب مسجد أقيما وآستحدثا على المدخل الرئيسي للمدينة ، إلى جانب مركزلشبكة الهاتف النقال (أنظر الصورالمعبرة أكثر).
هذه الصورلمشاريع أنجزت على المساحة التي كانت تتموقع فيها مدينة المزمة التي عبث بموقها في أفق محو يستهدف المكان وما يرمز إليه وما يعبر عنه في ذاكرة السكان الذين ظلوا على هامش الهامش في إطار السياسة التي بها وبآسمها استهدف هذا المكان الذي يحيل بدوره على الزمان .
يبدو للمتتبع للشأن العام بالمنطقة أن سياسة النكران والتجاهل المفضية إلى الطمس والمحو ماتزال تسم تدخلات الجهات الرسمية ، وإلا كيف يمكن تفسيرغياب أي اهتمام أو عناية أو استكشاف لموقع أثري رئيسي لايمكن أن تنكرأهميته إلا من قبل جاحد جاهل لايقدر قيمة التراث ؟ فماذا يمكن أن تقوله لنا وزارة الثقافة ومصالحها بشأن عدم تصنيف هذا الموقع التاريخي وعدم إجرائها لأي استكشاف له ؟ لماذا تتمادى الجهات الرسمية المعنية في تعنتها وعبثها في الإساءة إلى هذا الموقع وغيره عندما تعطي وتوافق على إقامة مشاريع من دون اتخاذ كافة الإجراءات والقيام بالدراسات اللازمة ؟ ألا يكفيها ما اقترفته في الأمس من جرائم تجاه المعالم التراثية التاريخية بالمنطقة عند إقامة سد محمد بن عبد الكريم في منطقة تدخل ضمن الموقع الأثري لمدينة نكور، وعند إقامتها المركب السياحي نادي البحر الأبيض المتوسط على موقع المزمة التاريخي حتى تعطي الأمر بإنجاز مشروع سياحي آخر مكان مشروع نادي البحر المتوسط الذي أعلن عن فشله؟ وتبدأ الجرافات في الحفر والكنس واقتلاع الأخضر واليابس من دون آحترام للموقع ؟ فبالأحرى أن تجرى عمليات سبر أثري وتحدد المساحة التي يجب اعتبارها محمية . ألا يشكل هذا وذاك انتهاكا صارخا للحقوق الثقافية مثلما تنص على ذلك المواثيق والعهود الدولية والإقليمية بل وحتى الوطنية ؟ إن ما وقفنا عليه وما شاهدناه وما نعاينه عن كثب يمثل قمة الإستهتار والإستخفاف في حق ذاكرة المنطقة وتراثها اللذان لايمكن بناء أي حاضر ولا التخطيط لأي مستقبل بدونهما.
لايعني هذا بأي وجه كان أننا ضد المشروع التنموي، ولا يجب أن يؤول كلامنا في هذا الإتجاه . بالعكس نريد تنمية للمنطقة تستفيد من تراثها وذاكرتها الحية ، وتحترم المكان الذي يجسد امتدادنا وحضورنا وتواصلنا في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل.
الهوامش:
[1]- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ، ج:1، تحقيق: ج. س. كولان وليفي بروفنسال، بيروت 1980،ص: 20
[3] - لمزيد من المعلومات حول هذا التضارب والإرتباك والخلط أنظر: أحمد الطاهري ، إمارة بني صالح في بلاد نكور، مصبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء، 1998، صص: 135 -136 .
-
- وصف إفريقيا، ج:1، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر،الرباط، 1400-1980، صص: 255-256.[4]
- أحمد الطاهري، مرجع سابق، ص:135.[5]
[6] - Patrice GRESSIER ; Prospection archéologique dants le RIF( zone de l'ancien royaume de Nakur ) , Thèse de troisiéme cycle presentée a l'université Paris, sorbonne,p : 140.
يثير الباحث في الهامش رقم:2 ص:140 دلالة الإسم من وجهة نظره ورأي بعض الباحثين الآخرين.
[7] - ibid. P :140,( marge :2).
- أحمد البوعياشي، حرب الريف التحريرية ومراحل النضال. ج:1، مطبعة دار أمل طنجة ، ط:1 ،1974 ،ص:171.[8]
[9] - Mohammed SERHOUAL ; Dictionnire tarifit-français. Thèse de doctorat d'Etat ès lettre option : linguistique ; Université Abdelmalek Essaàdi, Tétouan, 2001-2002,Racine :ZM ;p : 684.
- أحمد الطاهري، مرجع سابق، ص:183.[10]
- المرجع نفسه، ص:137، هامش رقم:70.[11]
[12] - اليماني قسوح، جوانب من تاريخ بعض مدن ساحل الريف الأوسط: نكور،المزمة،الحسيمة. بحث لنيل الإجازة في التاريخ،كلية الآداب،وجدة،1997-1998 ، ص:41.
[13] - محمد الفاسي، "أصول الأعلام الجغرافيةالمغربية" ،مجلة البيئة، ع: 1،ماي 1962 .
نقلا عن: أحمد البوعياشي، مرجع سابق، ج:1، ص:114.
[14] - محمد أحمجيق ، الهجرة الدولية والتنمية الحضرية بالريف الأوسط، بحث لنيل د. د ع ، تخصص جغرافيا، كلية الآداب، دار المهراز، فاس،1996، ص:140.
- أحمد البوعياشي، مرجع سابق، ج،1،ص:114.
[15] - راجع أحمد الطاهري، م.س،صص: 121-122.
[16] - Patrice CRESSIER. Op,cit,p :138.
[17] - حول الأصل النفزي لصالح بن منصور راجع : أحمد الطاهري، م.س،صص:28- 29 .
[18] - عبد الرحمان بن خلدون ، العبر في ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والبربرومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر، الجزء:6 ، ط.1، دار الكتب العلمية،بيروت، لبنان، 1413- 1992،ص:251.
[20] - أبوعبيد الله البكري ، المغرب في ذكر إفريقيا والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة،( دون تاريخ)، ص:90.
[22] - كتاب المقتبس، ج5،نشر ب.شالميتا و ف. كورينطي و م. صبح، مدريد 1979، ص،414.
[24] - جاك كاني، " إمارة نكور في أواسط القرن الخامس الهجري" ، مجلة البحث العلمي،ع: 22،السنة 11،الرباط، 1974، ص:150.
[25] - أحمد بن يوسف، " لمحة تاريخية حول حضارة الحسيمة" جريدة صوت الريف،ع:5، السنة1،1994، ص:3.
[27] - مصدر سابق، ج:1، 256.
[28] - محند محي الدين المشرفي،" الأهمية الإستراتيجية للمدن الواقعة شمالا على ساحل بوغاز جبل طارق" ، مجلة دعوة الحق، العددان:2و3، السنة 20،1979، صفحات: 44.45 . نقلا عن : كريمي ماجدة، تجارة القوافل : اثلر وبصمات على تاريخ دول المغرب الوسيط، ط.1، مطبعة دار نشر الجسور، وجدة،1996،ص:24.
[29] - اليماني قسوح ، م.س، ص:44.
[31] - علي بن أبي زرع الفاسي. الدخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية ، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1972،ص:39.
[32] - ابراهيم حركات . المغرب عبر التاريخ، الجزء 1،ط.2 ، دار الرشاد الحديثة،الدار البيضاء،1984،ص:282.
[33] - المرجع نفسه، ص:284.
* تعرف هذه القرية محليا ب"إيكار وانو" وتقع قرب مركز آيث بوعياش، إقليم الحسيمة.
[34] - أحمد البوعياشي، م.س، ج1، ص:360.
[36] - عبد الرحمان الطيبي. المجتمع بالريف قبل الحماية قبلئل ساحل الريف الأوسط من : 1860إلى 1912 ، بحث لنيل د.ج ع في التاريخ المعاصر، كلية الآداب ةالعلةم الإنسانية، الرباط، 1992-1993، الجزء1،ص:65.
- عبد الرحمان الطيبي . الريف قبل الحماية قبائل ساحل الريف الأوسط،1860- 1912، منشورات تيفراز،مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ط:1، 2008،ص:39.
[37] - م.س، ج:1 ، ص: 173.
[38] - عبد الحق البادسي. المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تحقيق سعيد أعراب، المطبعة الملكية، الرباط، 1982/1402، ص:41.
[39] - عبد الرحمان الطيبي. الريف قبل الحماية..، م.س، ص:41.
[40] - أورده البوعياشي، م.س، ج.1، ص:173.
[41] - الحسن الوزان ، م.س، ج 1،ص :256.
[42] - أورده: محمد ابن عزوز حكيم، " جزيرة نكور، متى وكيف سقطت بيد اسبانيا سنة 1084هـ/1673م؟" ، مجلة الجيوب السليبة ، ع:1، ديسمبر 1988، ص:75. نقلا عن محمج أونيا ، " حجرة النكور : بيعت أم احتلت ؟ دراسة مقارنة" ، مجلة المزمة ( مجلة داخلية كانت تصدرها جمعية نكور للثقافة والفنون بإمزورن) ، ع: 4، امزورن 1997، ص:5.
[43] - م. س ،ج:1 ، صص:255-256 .
[44] - عبد الرحيم الوهابي، " جزيرة بادس حتى لاتنسى"، جريدة العلم،ع:17305، الجمعة 9 جمادى الأولى 1418 12 شتنبر 1997.
[45] - معلمة المغرب ، نشر مطابع سلا، 1410-1989 ،الجزء الثاني،ص: 514.
[46] - محمد أونيا، م.س ، ص:5.
[47] - معلمة المغرب ، م.س، ص :514.
- الحاج عبد الكريم بن موسى الريفي، زهر الأكم ، مخطوط،. م. القادري، التقاط الدرر،2.106 . نشر المثاني ،2، 363.
[48] - امحند البخلاخي، التعريف بجزيرة بادس، تقديم سيدي عبد الله منون، طنجة 1982، ص:55.
[49] - م.س ، ج:3، دار الرشاد الحديثة، ط1، الدار البيضاء،1405/1985.
- J.Caillé ; La petite Histoire de Maroc, pp :180-182.
- Jullien (A) ; Histoire de L'afrique du Nord , ppM225-226.
[50] - عبد الكريم بن موسى الريفي. زهر الأكم، دراسة وتحقيق آسية بن عدادة ، ط 1، مطبعة المعارف الجديدة ،1992، صص:143-144-145.
[52] - نفس المرجع ، ص :135.
[55] - محمد أونيا ،م.س، ص:5.
[57] - Maroc inconnu ; Première partie,exploration du RIF , librairie coloniale et Africaine, décembre 1895,p :94.
- أوجيست مولييراس، المغرب المجهول ، الجزء الأول، اكتشاف الريف، ترجمة وتقديم : د.عزالدين الخطابي، منشورات تيفراز رقم: 2،ط.1، مطبعة دار النجاح الجديدة، 2007، ص:101.
[58] - Patrice CRESSIER ; op.cit, p :143.
hasEML = false; |