تنظيمات المغاربة بالمهجر، كاتلونيا نموذجا
ديبــــاجة
العمل الجمعوي، قيادته والانخراط فيه عمل تطوعي، لتقديم خدمات للآخرين دون مقابل مادي، فالمناضل يضحي بوقته و بعقله وفي غالب الأحيان بجزء من أجرته، إنه النضال، هذه العبارة إن دلت على شيء فتدل على أن الذي يستحق التحلى بها لن يكون إلا ذا ضمير حي، يساهم بحبة رمل كما يقال هنا لكوم ليقف حاجزا أمام الظلم والاستغلال واللامساواة. هذا الانخراط يكون صاحبه مبدئيا مقتنع به وأجدى بالتضحية، إذ يعود عليه بمصلحة واحدة، معترف بها وهي نبيلة، وهي اعتراف الآخرين بنظرته الإنسانية للأشياء وكسب التجربة معهم، أما الأهداف الأخرى فلا يمكن وصفها إلا بالانتهازية وتضليل المجتمع أو الجماهير/المجموعة الممثلة وهو خرق للقوانين والأعراف المعمول بها أو المصاغة لتنظيم الإطار في علاقة أعضاءه مع بعضهم البعض وعلاقة هؤلاء بمنخرطي الجمعية.
من سنوات الرصاص إلى سنوات الخصاص
هذا العنوان يدل على سنوات الرصاص المعروفة والخصاص في أطر التجاوب مع الوضع الجديد الذي فيه تقلص تأثير حقبة الرصاص بشكل ملحوظ. في السنوات الأخيرة تشكلت جمعيات عديدة بكاتلونيا، فبعد استغناء السلطات المغربية عن دعمها لما كان يسمى بالوداديات التي كانت تدعمها مباشرة ماديا ومعنويا، ومن طبيعة النظام السياسي السائد بالبلاد، يدعم هذا النوع من الإطارات وهي في الأصل صورية، الهدف منها إفساد العمل التنظيمي للمهاجرين المغاربة لتسهيل مراقبتهم، فلقد نجح النظام شيئا ما في بعض أهدافه، مثل إبعاد المهاجرين عن التنظيمات الديمقراطية بقيادة مناضلين من صنف المنفيين والمناضلين الغيورين الساخطين عن الأوضاع التي لن تستثنيهم هم أيضا، لكن النظام لم ينجو من حصد الفضائح التي أوقعته فيها هذه العناصر المسخرة، وذلك راجع لعقليتها الإبتزازية التي تربت عنها وانعدام المهنية في أغلبها، انخرطوا في عمليات مشبوهة انفضحت في جلها كالتزوير والرشوة بمشاركة موضفي القنصليات، مشروع تسوية أوضاع المهاجرين بإسبانيا 1991 خير دليل، والتي وصلت لحد تغيير القنصل العام ببرشلونة، تم فيها اكتشاف شبكات تزوير الوثائق المغربية وعقود العمل. هذه العناصر التي لن تجلب إلا المشاكل مع الحكومات الأوروبية أما المهاجرين المغاربة فجلبت لهم بالإضافة لمشاكل طبيعية كالعنصرية والتهميش، أكثر من حكومة أوروبية أعادت النظر حتى في خدماتها الإجتماعية/الرفاهية وعدم الثقة في كل ما هو مغربي. بفعل الغياب الشبه التام لهيئات تنظيمية "بديلة" مدافعة عن المهاجر المغربي ومصالحه فبالأحرى كينونته الثقافية والحضارية، فإن وجدت، فإما فاسدة انتهازية أو كسولة عاجزة مفتقرة لبرامج تنويرية ذا مصداقية، هذا الواقع ساهم في توتير العلاقات بين المغاربة والمؤسسات العمومية من جهة وبينهم وبين التنظيمات المدنية التضامنية والمجتمع ككل من جهة أخرى، فيعتبر المهاجر المغربي هو الأكثر عددا وهجانة والأقل تنظيما واندماجا.
بعد هذه الحقبة التاريخية للمهاجر المغربي، فبداية التسعينات عرفت الهجرة المغربية تحولات أخرى في حياتها، بفعل استغناء الدول الأوروبية المتقدمة عن خدماتهم وانتهت معها ما سمي بالهجرة المنظمة، لكن هجرة المغاربة لن تنتهي بل تحولت من هجرة منظمة إلى غير منظمة وغيرت اتجاهاتها نحو اسبانيا وإيطاليا بعد دخولهما في الإتحاد الأوروبي، وذلك بطرق سرية/تسللية عبر الحدود، أغلبها تراجيدية عن طريق قوارب الموت وأخرى بوثائق غير وثائقها، أو عبر عقود عمل أغلبها مزيفة وبمقابل طبعا، أو عبر توسطات العائلات عند أرباب العمل أغلبها بمقابل أيضا، أو عبر تأشيرة سياحية أو دعوة ثقافية تمثيلا لإطار مدني أو فني، (هذه الأخيرة سأخصص لها مقالا خاصا لأن دورها حدث ولاحرج) خاصة تجاه الدولة الإسبانية، منهم من يصبح غير موثق منذ اليوم الأول من دخوله وبعد سنة بالنسبة للذي دخل بموجب عقد العمل ولن يتمكن من إيجاد فرصة لشغل قانوني يمكنه من تجديد الإقامة، ولمدة صلاحية التأشيرة بالنسبة للفيئة الأخيرة.
منذ بداية التسعينات انتشرت الجمعيات بشكل طفيلي بكاتلونيا، متعددة التوجهات والأهداف وأغلبها صورية لا برامج ولا آفاق لها، والقاسم المشترك بينها هو المزيد من الإحباط والتمييع، والضحية هي دائما المهاجر المغربي البسيط طبعا وكينونته التاريخية والحضارية والهوياتية، هذه التنظيمات يمكن اختصارها في فيمايلي:
جمعيات محلية تشرف على أماكن الطقوس الدينية ( المسماة مساجد) وهي الأكثر عددا، في سجل استشارية العدل التي تداع فيها الملفات، أي لكل مسجد جمعية تسيره تحمل أسماء دينية، وأغلب مسيريها لا تكوين أكاديمي لهم وبالأحرى الجمعوي، تفرضه البلديات والمجالس القروية لتمكينهم من نيل رخص فتح المقرات وتنظيم الصلوات الجماعية وبعض الأنشطات الدينية المناسباتية، وفي بعضها تسخير الإمامات في تلقين دروس العربية للأطفال والدروس الدينية للنساء بدل محو الأمية وتعليم القراءة والكتابة بالنسبة للأميات، هذه الظاهرة ظهرت مؤخرا بشكل يثير الإنتباه. هذه الجمعيات تتكلف بجمع التبرعات والصدقات وتدير انخراطات المصلين وزكاة الفطر...ألخ. لا تقارير مالية ولا أدبية ولا برامج أنشطة للمشاركة في الحياة الإجتماعية بالبلد المضيف، إن وجدت فالمشاركة لصاحب متجر بيع الأواني والألبسة التقليدية الرخيصة واللوحات القرآنية.
جمعيات ذات طابع اجتماعي إحساني، مدعومة معنويا وسياسيا وماديا من الحكومات المحلية، إذ تكتفي بالإشتغال على بعض الملفات الإدارية والإجتماعية، وهي قليلة جدا يمكن اعتبار دورها إيجابيا في توجيه المهاجرين إداريا فقط، وإذا استثنينا منها بعض السلوكيات الشاذة مالإبتزاز مثلا، لكنها لا تمثل المهاجرين لغياب الرغبة في ذلك، للتهرب من الحسابات والمشاركة الفعلية للمعنيين بالأمر، فهي ذات طابع "سلمي" لا هي احتجاجية ولا مدافعة عن الحقوق العامة للمهاجرين بل صامتة ومتآمرة بحيادها السلبي فيما يتعرض له المهاجرين من تهميش واحتقار وعنصرية، وهي عروبية اللغة ومخزنية التدبير والموقف، مع العلم أن80 بالمائة من المغاربة بكاتلونيا إيمازيغن، وهذا راجع بالأساس إلى هذا الأمازيغي وتنظيماته التي سنتناولها فيما بعد.
جمعيات ذات تشكيل أسروي أو فردي، والتي يمكن تسميتها بجمعيات "الأذكياء" ويمكن تصنيفها في صنفين:
الصنف الأول: مؤسسة بشكل صوري يكون فيها الرئيس هو كل شيء بلا حسيب ولا رقيب، يشكل مكتبا بأقل الأعضاء وهي ثلاثة قانونيا، إما متآمرين ومتعاونين معه أو لا دراية ولا وعي بما أقدموا عليه والذين يتم تضليلهم طبعا، فصاحبها له أهداف واضحة، وهو في الغالب يقدم نفسه كمحامي، حيث تمكنه من البنود الإدارية المنظمة للهجرة والقوانين المعمول بها بهذا الشأن والتواصل اللغوي، فدوره ابتزازي بالدرجة الأولى، حيث يستغل أوضاع المهاجرين وجهلهم للقوانين وضعف التواصل وقلة الوقت كذلك، وعجز بعضهم عن التمكن من وثائق كافية بالنسبة للغير الموثقين. هذه الجمعيات كانت متواجدة بكثرة إلا أن مردوديها تقلصت على أصحابها في السنوات الأخيرة بفعل تشديد قوانين الهجرة وتعسير أمكانية تسويات الأوضاع، بالمقارنة مع سنوات التسعينات وأوائل هذه الألفية، حيث لم تعد مجدية العقود المزورة والتي صاحبها مجهول أو اقترف أحد المخالفات الإدارية، كالتهرب من أداء الضرائب أو مستحقات الضمان الإجتماعي، لأن الإدارة تقوم بتحريات للتدقيق في صحة الوثائق المقدمة أمامها، والصحية منها تفرض على الإثنين من موقعيها/المشغل والمشغل، التطبيق الحرفي لمحتوياته بعد حصول المشغل المهاجر على بطاقته مباشرة.
الصنف الثاني: فلا فرق بينه وبين الأول في إطار التأسيس والأهداف، إلا أن طريقة الإشتغال تختلف، فهي تجارية محضة ومصلحية بالدرجة الأولى، حيث لا تظهر إلا في الحفلات المحلية الشعبية والثقافية، أو المناسبات بأصنافها للأرتزاق والتمييع، إذ تقوم بعرض الحلويات المغربية الرديئة الجودة والشاي وطواجين مغربية ومواد أخرى للبيع يتم اقتناءها من البزارات المغربية، وعائداتها تعود إليهم بالطبع، وكثيرا ما يتم استغلال النساء المحتاجات والبدون عمل في التحضير والتوزيع والقيام ببعض الأنشطة بالنسبة للماهرات في النقش بالحناء مثلا مقابل أوروهات قليلة. بعض هذه الجمعيات تمكنت حتى من اقتحام ميدان التعاون الدولي، إذ تقدم مشاريع تنموية صغيرة بالمغرب، سواء بالإشتراك مع تنظيمات محلية انتعشت مؤخرا، أو تديرها بنفسها بالتنسيق مع معارفها بالمغرب، تمونها الإدارات المحلية من ميزانية مخصصة لهذا الشأن، خاصة في السنوات الأخيرة بعد شيوعة سياسة اقتران الهجرة بالتنمية أو ما يسمى بالتنمية التشاركية Codevoloppement ، وفي غالب حالات الإدارات المحلية إما توظف مسؤولين عن هذا الميدان لا تجربة كافية لديهم لأن وظيفتهم لا تتجاوز ما هو تقني، وفي الغالب سياسية للظهور الإعلامي محاولة منها للتغاضي عن المشاكل الحقيقية للمهاجرين، فيما يتعلق بالإندماج والمواطنة الحقيقية، وكأنهم يقدمون صدقات للناس وما أكثرهم، أما الحقيقة فهي أن هذه الإدارات مفروض عليها أداء نسبة 0.7 بالمائة من انتاجها الداخلي الخام PIB كمساعدات للعالم الفقير، فهنا تبقى هذه المساعدات دين عليها وحق لدول العالم الفقير لا غير ذلك، (إلا أن تقريرا نشرته قبل أيام قليلة منظمة أوكسفام الشهيرة والتي تتهم فيه حكومات الدول الغربية بالنفاق، لأن نسبة 0.7 بالمئة لن تؤدى إلا 0.05 فقط في عام 2009 إي أقل من 10 بالمائة) فبعض هذه الجمعيات تنخرط في هذا المخطط بوعي وبدونه، فهنا ما يؤلم هو التآمر والتخاذل، لا الإختلاسات، فهي إن كانت فلن تكون كبيرة، نظرا للمراقبة الصارمة للمال العمومي أولا، عدم مصداقية هذه الجمعيات حتى عند مسخريها ثانيا وغياب التكوين التقني لصياغة مشاريع ملائمة تستحق القبول.
الجمعيات الديموقراطية، وهي المحسوبة على الصف الأمازيغي في غالبيتها، هذه الجمعيات لم تنخرط على الأقل بشكل مكشوف في هذا النوع من الإنتهازية القاتلة والممارسات المشينة كثيرا، كالإبتزاز المبالغ فيه والتآمر على قضيتهم بشكل مفضوح، أولا، فليس من شيم الأمازيغ عامة، ثقافة وحضارة الوقع في هذا النوع من الممارسات اللا أخلاقية، وثانيا الخوف من ردود الأفعال الممكنة إن اتضح الأمر، لأن أغلب هذه الجمعيات تأسست على مبادئ الدفاع عن قضية ثقافية وهوياتية، فالأمازيغ ينخرطون في أي عمل يهمهم رغم الشكوك في مصداقية، لا الجمعيات بقدرما بمسيريها وهم المسؤولون بالدرجة الأولى على هذه العلاقة، والتي سأحاول تفسيرها في بعض الحقائق التي اطلعت عليها.
التجارب التنظيمية الأمازيغية بكاتلونيا كما سبق قوله، تأسست على القضية الأمازيغية والدفاع عنها، فأغلبها قبل أن تتأسس صادقت على أدبيات وقوانين، ما تطلب تضحيات كبيرة من اجتماعات ماراطونية متعبة وتنقلات واتصالات وغيرها، لكن العيوب ستأتي بعد كل هذه المشاق، وهي ليست أقل ضررا من التجارب الأخرى المذكورة آنفا، ويمكن اختزالها في سلوكيات لها علاقة بالأشخاص (المناضلين) بالدرجة الأولى، من الصعب فهمها لتطويقها والتغلب عليها، لأنها دفينة وغير ظاهرة، وهي تساهم في إفساد العمل الجمعوي وحتى العلاقات الإجتماعية في غالب الأحيان، فهنا يكمن الخطأ القاتل، فكل مناضل يحتكم لمزاجه الشخصي في التعامل مع الأمور بدل الأدبيات التي صادق عليها بنفسه أو الأعراف الجمعوية الأخرى الغير مكتوبة، سواء في قرار الحسم مع نفسه بعلاقته بأصدقائه/الإطار (الإنسحاب، تجميد العضوية أو الإستقالة) أو اتخاذ قرار ما في حق أحد الأعضاء (تجميد العضوية، الإقالة أو الطرد)، إذ في الأول لا يتم اللجوء إليه طبقا لهذه القوانين والأعراف، تبرير قرار تم اتخاذه وتقديمه مكتوبا كما هو جاري به العمل في كل القوانين المنظمة للجمعيات في العالم، وترك المجال للمكتب المسير للنظر فيه وحقه في المصادقة عليه او الطعن فيه، بل قرار يتخذه مع نفسه وينفذه بنفسه وفي غالب الأحيان يكون بسبب تافه لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، كعدم الأخذ بعين الإعتبار لمقترحاته أو نقده على ممارسة ما، أو إحساسه بمضايقة أو منافسة ما من أحد، وغيرها من المجاذبات والمشادات الطبيعية في أي نقاش، هذا جزء من السلوكيات الفردية وهي لا علاقة لها بالمسوؤلية طبعا، وللأسف الشديد فهي سلوكيات مرضية تؤثر على العلاقات وسير الإطار، وخاصة إذا كان هذا الشخص في مهمة حساسة كالرئيس مثلا، حيث تصل الأمور في حالات شتى إلى توقيف الإطار بشكل نهائي عن العمل.
أما من الناحية الثانية، وهي جماعية، فمسألة اتخاذ قرار ما في حق أحد الأعضاء، فغالبا ما يكون مجحفا واعتداء على شخصه ومساره، سواء ارتكب خطأ أم لا، وغالبا ما تتم تصفية الحسابات على أشياء تافهة، وذلك عن طريق وشايات كاذبة ومفتعلة وفي أحيان كثيرة وهمية لا وجود لها إلا في مخيلة صاحبها، نحاكم حتى نوايا بعضنا، مبدأي المتهم بريء إلى إثبات الإدانة والإقناع والإقتناع لا وجود لهما في سلوكياتنا، والمؤسف في ذلك، يتم تسريبها من خارج نقاشات الإطار، وفي أغلب الإطارات الجمعوية لدينا لا نعرف بأن الأمور التنظيمية يجب مناقشتها والحسم فيها داخليا، وإن صعب ذلك فهناك ما يسمى بالحل الوسط أو بالتي هي أحسن، إنما خلافاتنا إن وجدت فالمعنيين بأمرها نكون آخر من يصله خبر وجودها، تشن حملات على الآخر لتثبيت الذات، إذ لا فرق بين نقد الشخص على خطإ ارتكبه وهذا طبيعي والهجوم عليه في غيابه، فهذا ما يفسد العلاقات الإجتماعية قبل التنظيمية، وهنا يكمن العيب.
لذا نجد مناضلين شرفاء وذي قدرة عالية على المساهمة والمشاركة والتسيير، إلا أنهم يتهربون خوفا من القيل والقال، والقيل والقال هذا يمكن أن يأتيه من رفاقه الذين اقتسم معهم درب النضال، فإن كان من غيرهم فلا أحد يكلف نفسه للدفاع عنه وتكذيب ما يروج، إذ نلاحظ بأن كل أحد أقدم على خطوة عملية ما أو ساهم في مشروع ما يصبح أكثر عرضة للهجوم بسلاح الضعفاء هذا كما يقال، وهي كذلك، الألسنة الطليقة، نخلق المنكر لنغير بألسنتنا ربما، غير مبالين بأن هذا من أنكر المناكر، وللأسف الشديد هذه الألسنة ما هي إلا لأناس من المفروض انتظار الكثير منهم، إنهم ممثلو المجتمع ن رمدني، المدنية سلوك حضاري وتتطلب سلوكا حضاريا، فإن كان فاقد الشيء لا يعطيه، فلا أحد يرغمه على العطاء، فكم من مناضل شريف اتهم بالخيانة وأعدم في الشارع العام، وهو لم يكن كذلك، بل العدو هو الذي استغل سذاجة قومهن بفعل "الإشاعة" هذا المصطلح الذي صنفه بعض المفكرين إلى جانب النظريات الإيديولوجية الشائعة.
هناك نقص في مسألة إدارة الخلافات، فهي في الغالب تافهة لا علاقة لها بما يهم الإطار، أغلب الجمعيات الأمازيغية كما سبق القول ديموقرطية في أدبياتها واحتجاجية مطلبية في سلوكياتها وتقدمية في شعاراتها، من البديهي أن هذا النوع من التنظيمات تتطلب الصلابة في المواقف والنضج في الأداء والتضامن والتشاركية في العمل، والحد الأدنى من الإنسجام والحوار، لكن الملاحظ هو العكس تماما، هذا إلى جانب ما تم التطرق إليه، هناك ممارسات أخرى لا تقل خطورة عنها، وهي غياب الآفاق والأهداف الواضحة عند أغلبية المناضلين، كما أشارت أحد الدراسات مؤخرا حول الجمعيات المغربية بأن المغاربة يفتقدون للثقافة الجمعوية، وهذا صحيح وواقع نعيشه بل ونعرف مسبباته. المناضل يتلقى هجومات قبل الإنتقادات، اتهامات قبل التوضيحات، التقليل من مقترحاته وانجازاته، غياب التعامل الإيجابي مع الآخر حيث يتم التشكيك في كل تحركاته ومقترحاته، وفي الكواليس. ترى رئيس الجمعية يدخل في مشاداة مع الأعضاء الآخرين وغالبا ما يسبب هو في إشعال الفتائل بدل حسم الخلافات، فهم في الغالب من يخلق الإرتباكات. غياب الإحتكام لجداول الأعمال والحسم في نقطه، غياب محاضر الإجتماعات، فإن وجدت لن يتم توزيعها على الأعضاء...ألخ، فهذه الممارسات هي السبب في تفشي الفوضى، حيث لا تراكمات ولا أرصدة.
أغلب المناضلين الذين تعرفنا عليهم هم في الحقيقة مناضلون وغيورون على كل شيء ولهم أرصدة معرفية مهمة، لكن هذا وحده غير مجدي بل سلبي إن كان يتصف بالمواصفات المذكورة سلفا، لأن المناضل يستحق موقعا قياديا، فالقيادي تتوجب عليه مواصفات تميزه عن الآخرين إلى جانب رصيده المعرفي والنظري، وهذا ما يدفع بمناضلينا إلى النكسات ومعها الشعب بطبيعة الحال.
جانب آخر يمكن استعراضه ولا علاقة له بما هو مرضي وتقصيري، وهو يضع على المحك كل الإطارات، الجانب العملي، فمن الملاحظ أن هذه الجمعيات تكتفي فقط بالجانب الإشعاعي وعلى المستوى المحلي، تنظيم ندوات على مواضيع لا تهم المهاجر في العمق، وهي ذات طابع إشعاعي فحسب، فهي ليست سلبية لكنها غير كافية، وغالبا ما تجلب على منظميها سلبيات لن يكونوا ينتظرونها، وهذا بسبب أمور تم التطرق إليها سلفا، جانب منها له علاقة بسلوك المنظم والجانب الآخر يتعلق بملاحظة هذا السلوك من قبل صديقه وتأويله له، والإشكالية الكبرى هي إدارة كل هذا، فهنا يتم الإستعانة بنظرية أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، الهجوم والهجوم المضاد يكون سيد الموقف، وتصل غالبا إلى أمور لا علاقة لها بشيء يسمى التقييم، أما الأخطاء فلن يتم تصحيحها أبدا. هناك غياب جوانب أخرى مهمة وضرورية بطبعها، إنها تعبئة الناس على حقوقهم وتحفيزهم على الإنخراط، القرارات يتم الحسم فيها بين أعضاء المكتب دون إشراك المعني بالأمر أو فتح مجال المشاركة للفعاليات من خارج أعضاء المكتب للإبداع والفعل، بل وحتى من داخله، غياب برامج أنشطة سنوية، إذ يبقى دور هذه الجمعيات انفعاليا لا فعاليا، هذا سرد تم استنتاجه من بعض التجارب التي عايشناها، وهذا لا يعني أن هذه الجمعيات لها عمر طويل، حيث في غالب الحالات يندم أصحابها على كل خطوة قام بها، فخلاصة القول، لا توجد جمعية يمكن أن نسميها بهذا الإسم، حيث لا منخرطين ولا رؤى واضحة ولا برامج عمل ولا سلوك جمعوي، هذه الجمعيات ساهمت في توتير العلاقات بين المناضلين، ساهمت بسحب الثقة حتى من الأفراد من قبل المؤسسات والتنظيمات التي هي من الممكن أن تتضامن مع قضايانا، تم تحقيق بعض "المشاريع" على مستوى كاتلونيا بفضل مجهودات شخصية من بعض المناضلين، أو من الكاتلانيين أنفسهم تضامنا مع الشعوب المضطهدة مثلهم لتقوية وجودهم، دون تشجيع ولو حتى اعتراف من أحد، كل أحد يحاول أن يبرهن بأنه سبق الآخرين، ويحاول إسناد مجهوداتهم لنفسه، بانتهازية مفضوحة، لأن مشي غير أجي أكون انتهازي، نلتقي أصدقاء وذي قضايا مشتركة وننتهي أعداء.
تجربة وحيدة ظهرت في أواخرعام 2005، في سنتها الأولى استطاعت إيهام بعض المكونات الكاتلانية، من مؤسسات رسمية وغيرها، إلا أنها اندثرت مباشرة بعد أول تجديد عرفته وهذا ما فاجأ الجميع، إطار ديموقراطي استطاع أن يجمع بين المكونات الأمازيغية بكاتلونيا، مباشرة بعد المصادقة على التقريرين الأدبي والمالي والتقييم كان أكثر من إيجابي، رغم الإمكانيات المحدودة وأوضاع كل واحد من المساهمين فيه، وتم انتخاب مكتب جديد، الذي في اليوم الأول من عمره بدأت تظهر سلوكيات مرضية واتهامات واهية والخوف من الوحش الأسطوري، وارتفعت الشكوى والشكوك والأخذ والرد، والسب والقذف، حاول البعض تهدئة الأمور بطريقته الخاصة إلى أن نار أمراضنا تم صب الزيت عليها، فكانت الضربة القاضية والصدمة لمن ضحى بوقته وأفكاره وجيبه وزاد عليها سمعته ومساره، فإن أخطأ والأخطاء طبيعية ولابد منها، إنما تصحح لكن إن تم التعامل معها بعقلانية، فلا مسار ولا تاريخ إن استمرت دار لقمان على حالها.
أنا شخصيا كمتتبع من القريب جدا، ويتفق معي زملاء كثيرون في كل إثارة لهذا الموضوع، موضوع ظهور ممارسات "أعراض" غير مفهومة المقاصد ولا المطالب، حيث تتم بصيغة مفاجئة، وفي أحيان كثيرة بتبريرات واهية لا علاقة لها بأي عرف ولو اجتماعي علاقاتي عادي جدا وبالأحرى تنظيمي مؤطر ومؤسس مكتوب شائع عمومي. هذه الأعراض غالبا ما يكتشف صاحبها مباشرة، وتبقى على هذه المسألة، علامة استفهام كبيرة، إلا أن أغلب الآراء إن لم أقل كلها تختزله في شيئن اثنين أكثر من غيرهما، وهما سذاجة المعني بالأمر ووحشية الإختراق من الخصم، ولا يختلف إثنان على أن الثاني ينتعش في الأول كالدود في جثة الميت.
عبدالحق الحدوتي
|