.

Header image
 
RECONSTRUCCIÓN DEL RIF  
 

 

   
     
 
نص المداخلة التي ساهم بها علي بلمزيان في المناظرة الدولية المنعقدة بالناضور يومي 4و5 يوليوز2007 في موضوع : أنظمة الحكم الداتي في التجارب الدولية والمغرب ؟
 
     
 

 

 

ممكنات الرهان الجهوي في استحقاقات المرحلة الراهنة ؟

=جهة الريف نموذجا=

علي بلمزيان

    يمكن أن تكون للريف في مساحة هذا الوطن الشاسع مكانة لائقة به لن يرسمها إلا أبناءه وبناته المخلصون لإرثهم الجماعي أو ماضيهم الراهن في جدلية تامة مع مجهودات كل القوى الديمقراطية والحداثية والتقدمية الساعية إلى بناء مغرب متعدد وديمقراطي يتيح كل السلطات لأبناءه لتقرير مصيرهم السياسي والثقافي بأنفسهم بعيدا عن أي شكل من أشكال الوصاية ، وهو جوهر هذا المشروع الجهوي الذي نسعى إلى بناءه سويا كل من موقعه وعلى اختلاف الروافد والخلفيات السياسية والثقافية والجمعوية التي ستقود لا محالة هذه الدينامية إلى لحظتها الحاسمة التي دأب الجميع على تسميتها مسبقا بمشروع الحكم الذاتي  ، ولا مراء من اعتبار هذه المناظرة الدولية المنظمة من قبل كنفدرالية الجمعيات الثقافية الامازيغية لشمال المغرب لبنة أخرى لترسيم هذا الطريق والتفكير فيه بل التنظير له حتى ، كضرورة نظرية ومعرفية بالدرجة الأساسية فضلا عن أهميتها القصوى في توضيح العملية السياسية الجهوية الجارية في الوقت الراهن ، التي تحتاج فعلا إلى توضيح وتأصيل مفاهيمي قبل أن الشروع في شق الطريق للنزول إلىالشارع للتعبئة له .

وإثراء لهذا الحدث الهام ارتأينا أن نساهم معكم بهذه الأفكار المتواضعة متمنيا أن تكون في صلب الأهداف المتوخاة من هذه المناظرة الفكرية: حول الفدرالية وتجارب الحكم الذاتي في العالم والمغرب :  

    تعتبر الجهوية واللامركزية اختيار كوني ديمقراطي انتهجته الدول الرأسمالية المتقدمة خصوصا والدولة الديمقراطية الحديثة عموما للتخفيف من عبئ التسيير المركزي عبر نقل جزء من صلاحياتها إلى المحيط لتقوم النخب المحلية بممارستها في إطار سياسة القرب لما عبرت عنه هذه السياسة من فاعلية ومردودية على صعيد التدبير الإداري والتنموي والحكامة الجيدة ، غير أنه في أحايين أخرى وجدت ذات الدولة نفسها تحت ضغوطات سياسية وثقافية من نوع آخر تهدد وحدتها وكيانها فاضطرت تحت ظروف متباينة بين هذه الدولة أو تلك إلى التنازل عن جزء من سيادتها وسلطاتها لصالح أنظمة جهوية سياسية لاحتواء المد الانفصالي الممكن و الملتهب في القاعدة بفعل تصاعد العامل الثقافي والهوياتي والإثني  . وتشكل أقصى ما يمكن أن تتنازل عنه الدولة المركزية لحماية وحدتها وشرعيتها الديمقراطية هو منح استقلال ذاتي"1" لتلك المناطق للحفاظ عن كيان الدولة واستمراريتها . ونحن نتحدث عن هذا الاختيار تمتثل أمامنا التجربة الجهوية  الايطالية التي كانت أحسن مثال لهذا التطبيق الاضطراري لها لمقاومة النزوعات الانفصالية الصيقيلية بعد الحرب العالمية الثانية كما تنتصب أمامنا كذلك التجربة الجهوية الاسبانية التي كانت نوع من التسوية السياسية بين الطبقة السياسية الاسبانية بعد انهيار النظام الاستبدادي الفرانكاوي مع أن هذه التجربة تعد متقدمة عن الأولى من حيث المدى والصلاحيات التي تتمتع بها المناطق المحكومة بالاستقلال الذاتـي. ولابد أن نشير بأن الحكم المغربي يسير في نفس الاتجاه على صعيد مشروع الحكم الذاتي الذي يطرحه في الوقت الراهن لحل قضية الصحراء

الغربية تحت ضغوطات داخلية " جبهة البوليساريو " وخارجية " متجلية في ضغوطات القوى الكبرى والمنتظم الأممي على خلفيات متعددة في مقدمتها ما يسمى بمحاربة الإرهاب  "ولولاها لما اضطر الحكم إلى تقديم هذا الحل الراديكالي .

  إذن لابد من التسليم ، لفهم الإشكالية بشيء من الدقة ، أن الجهوية ذات المضمون السياسي  لا تطرح ، في الغالب ، إلا عندما يكون هناك مشكلا ذا بعد هوياتي وثقافي يتضمن إمكانية تفجير وحدة الدولة وكيانها السياسي ، لذلك ترى في بعض التجارب أعلاه :في إسبانيا وإيطاليا مثلا، أنه كلما اشتد عود الهوية الثقافية كلما طالبت النخب المحلية بتعزيز إطارها السياسي الجهوي بصلاحيات أوسع تصل بعض الأحيان إلى أن تكون قريبة من الاستقلال التام كما هو الحال في بلاد الباسك على سبيل المثال لا الحصر تضاف إليها غاليسيا وكاتالونيا والأندلس مع شيء من التفاوت فيما بينها من حيث الصلاحيات والإمكانيات "2" ، فيما باقي الجهات الاسبانية التي لا يطغى فيها العامل الثقافي فلا تتمتع إلا بجهات عادية نفس الشيء بالنسبة للتجربة الايطالية حيث أن مجمل جهاتها تتمتع بصلاحيات عادية للامركزية الإدارية باستثناء خمسة منها فقط تشبه نظام الاوتونومي الاسباني لكن بصلاحيات أخف منه لكنها محكومة بدورها بنوع من الجهوية السياسية .

  ترى بالنسبة لنا في المغرب عموما والريف على وجه الخصوص – موضوع هذا المقالة التحليلية – هل يوجد مشكلا بنفس الخصوصيات المطروحة في التجارب المشار إليها أعلاه وتستدعي ، تبعا لذلك ، نوع من التسوية السياسية ؟ نظريا :نعم بكل تأكيد ،  فالمغرب يتمتع بأقاليم ومناطق جهوية واضحة المعالم الثقافية والسياسية والتاريخية ويأتي في مقدمة هذه المناطق بلاد الريف ثم تليه مناطق مثل سوس والشلوح وزيان زعير .."3" غير أن الأولى تعادل من حيث قوة البعد الثقافي والتاريخي والجغرافي والتكامل الاقتصادي والبعد المتوسطي ما تشكله بلاد الباسك في إسبانيا ، ويمكن أن ننعت منذ الآن هذه المنطقة ببلاد الريف المغربي ،فالمجموعات الأربع ، بالإضافة إلى الصحراء الغربية في حالة قبول البوليساريو بمشروع التسوية السياسية المطروحة من قبل الحكم المغربي ، يمكن أن تكون مشمولة بنظام للحكم الذاتي في إطار اللامركزية السياسية فيما ستحتفظ باقي المناطق بحقها في الالتآم في إطار اللامركزية الإدارية العادية الجاري بها العمل الآن ، بمعنى ستصبح الجهوية حق واختيار دستوري في إطار دستور ديمقراطي يجمع بين البعد الفيدرالي الاستثنائي والمطبق حصريا في مناطق محددة دستوريا  وبين بعد الدولة البسيطة ذات النهج السياسي للامركزية الإدارية .

إنه أفق لا مفر منه خصوصا بعد قبول الحكم ، تحت ضغوطات دولية ، بنظام للحكم الذاتي في الصحراء ، فهذه العملية ستفتح فجوة عميقة في بنية الدستور المغربي وستساهم في تغيير شكل النظام السياسي مع ما سيليه من تأثر جذري لكل المفاهيم القانونية الجاري بها العمل حتى الآن وفي مقدمتها قانون الأحزاب الحالي الذي يجرم الحق في الجهوية وتأسيس الأحزاب الجهوية بشكل يفضح ديماغوجية الخطاب الرسمي الذي يطرح شعار الجهوية الموسعة كما أن نفس القانون يمنع تأسيس أحزاب على أساس لغوي وهي إشارة مبطنة للغة والهوية الأمازيغية ، وتكشف هذه المسالة على

3

وجود إدراك مسبق لخبراء المخزن بأن المشكلة الجهوية والأمازيغية ستطرح لا محالة بالمغرب ولذلك يعملون جاهدين على ربح الوقت باستخدام مختلف وسائل الضغط القانونية والسياسية لخلق الانطباع على أن لا وجود لمشكلة الهوية بالمغرب . ففي الوقت الذي يجري فيه منع تأسيس أحزاب على أساس لغوي وجهوي يسمح بشكل مفارق للأحزاب القائمة بحق الوجود مع العلم أنها أحزاب لغتها الرسمية هي العربية وبرامجها ومشاريعها السياسية تخدم القومية العربية بكل ما يعنيه هذا من مناهضة ضمنية أو صريحة لحقوق غالبية الشعب المغربي الأمازيغي وهي بشكل من الأشكال أحزاب جهوية وبالتالي ، حسب منطق قانون الأحزاب ، هي أحزاب عنصرية أكثر من ذلك فالدستور المغربي المبني على اللغة العربية سيعتبر كذلك اثنيا بمعنى من المعاني  !!  

لا نحتاج في تاريخ الريف أو في خصوصياته إلى أدلة شافية لتبرير حقه في التمتع بنظام للحكم الذاتي وهو مفهوم يرتبط  بهوية هذه المنطقة كتاريخ مصادق عليه وتتوفر على أسبقية وأحقية في هذا الاختيار قبل الصحراء نفسها ، ولا يمكن لأحد أن يشكك في أحداث تاريخية متواترة كان لها دوي سياسي دولي وإقليمي وما تزال أثارها قائمة إلى اليوم ونقصد بذلك جمهورية الريف، فبصرف النظر عن طبيعة هذا الكيان هل كان مفهوما مستلهما من تجارب ما يعرف بالأنظمة الجمهورية السائدة اليوم أم مجرد آلية حربية لتنظيم المقاومة، فلا أحد يمكن أن يجادل في كونها شكل من أشكال التنظيم السياسي الدولتي أو بأقل حدة أنها حكومة جهوية ريفية ، كما أن الانفجار الذي عرفه الريف في أواسط ونهاية الخمسينات كانت ردة فعل سياسية واضحة المعالم لم يكن غائبا عنها امتداد التجربة السابقة وانعكاساتها السياسية وكانت أنصح مثال على ذلك تشبث الريفيين بعودة المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي قبل حسم مسالة الاستقلال السياسي .ولا غرابة أن تمر عقود من الزمن ليعود أبناء الريف للمطالبة باستعادة رفات المجاهد في ظروف لائقة بالرجل قبل مباشرة أي مصالحة مع الريف ، ولا يستبعد أن يكون هناك توجس من رفض استعادته ، مغلف بمبررات عائلية، لما يمكن أن تشكله هذه اللحظة من هبة شعبية واسعة ستجعل أبناء الريف يستعيدون التاريخ من جديد بشكل سياسي !  

   إن مفهوم الحكم الذاتي كتاريخ مصادق عليه في التجربة الريفية يشكل جوابا استراتيجيا على كل المعضلات التي يتخبط فيها الريف، وما يزال على يومنا هذا تسيره نخبة من الأطر الإدارية بهواجس أمنية وهي غريبة عن المنطقة من ولاة وعمال وقياد ورؤساء الدوائر وكتاب عامين للعمالات ومسئولين أمنيين، أما المنتخبين الموجودين على رأس المؤسسات العمومية فلا دور لهم يذكر في صناعة قرار التسيير الاستراتيجي للمنطقة رغم كل محاولات إشراكهم الصوري في العمليات التنموية الجارية .وعلى هذا الأساس فنظام الحكم الذاتي سيساهم في نزع الطابع الاستبدادي على الجهاز الحاكم السائد جهويا كامتداد لبعده الوطني وتنقل السلطات للمنتخبين الموجودين على رأس المؤسسات الديمقراطية:التشريعية والتنفيذية المعززة بقضاء مستقل يتمتع بسلطة

دستورية حقيقية ، ما عدا ذلك فمتروك للحوار أو التفاوض بين الحكم السياسي المركزي والنخب الجهوية السائدة ..

  يجب أن نذكر بأن هذا الطرح في صياغته النموذجية وليس التفصيلية ليس وليد اليوم كما لم تكن المداخل الجمعوية  سباقة إلى إثارته بل تعود جذوره التاريخية إلى السجالات السياسية التي عرفتها حركة اليسار الجديد في السبعينات وخصوصا منظمة إلى الأمام التي انتهت في أواسط الثمانينات للدعوة  إلى منح الريف حكما ذاتيا ينسجم مع خصوصياته الثقافية واللغوية كجزء لا يتجزأ من مشروع التغيير التحرري الذي كانت تطرحه هذه المنظمة وقتئذ، كما ساهم العديد من المثقفين المرتبطين بهذا التنظيم إلى التعبئة والتنظير الاديولوجين لهذا الاختيار رغم حملات القمع الذي كانوا يواجهون بها فضلا عن حملات الاتهام بالشوفينية من قبل الأحزاب الوطنية ، وليس هذا مجرد ادعاء لمحاولة احتكار منطلقات السبق التاريخي لإثارة هذه القضية بل يمكن الرجوع لبعض التعليقات التي سادت في تلك اللحظة لمعرفة درجة الصراع السياسي الذي خضناه لمواجهة الأفكار الشوفينية والمخزنية وظل مناضلي النهج الديمقراطي بالريف أوفياء لطرح الحكم الذاتي وربما كان ثمن انتمائهم لهذه التجربة السياسية التاريخية وسر مساهمتهم الفعالة في بناء هذا التنظيم في أواسط التسعينات .ولقد تعزز هذا الطرح ببروز تشكيلات سياسية جديدة كالحزب الديمقراطي الامازيغي مثلا دخلت معترك الصراع السياسي على الواجهة الجهوية ببعدها الوطني ما سيكون له أثرا إيجابيا على العملية السياسية الجهوية الجارية اليوم . وبالمقابل هناك مدخلا آخرا للصراع من أجل فرض الجهوية ، أعني بذلك المدخل الجمعوي الذي يتخذ تمظهرات مختلفة على صعيد التعبيرات الخطابية بعضها حسم مسألة الدعوة إلى حكم ذاتي للريف وأخرى ما تزال تبحث عن الطريق والمفهوم الأمثل والواقعي المناسب للحظة مستحضرة موازين القوى السياسية ربما لتفادي السقوط في مواجهة سياسية مع الحكم لإيمانها أن مسألة الحكم الذاتي أو ما شابه ذلك يجب أن يكون في إطار متوافق عليه بين السلطة السياسية والنخب الجهوية . مما يستدعي الانتباه إلى مسألة الاختلافات السياسية والتقديرات المختلفة بين دعاة الحكم الذاتي. فليس كل الذين يطالبون به يصدرون عن قناعة مشتركة ، غير أن التناقضات بين مختلف المكونات السياسية والجمعوية والفئوية تظل هامشية في الوقت الراهن بفعل العامل الثقافي الموحد لاسيما إذا كانت الجهة المستهدفة تجمعها خصال هوياتية كما هو الحال بالنسبة للريف الثقافي والتاريخي واللغوي- موضوع هذه المقالة التحليلية –

إنه من الطبيعي أن تذوب التناقضات بين النخب الجهوية في الوقت الراهن ما دام أنها واعية بهدف مشترك يتطلب نوع من التلاحم للوصول إلى سلطة الحكم الذاتي كخيار دستوري لا مندوحة عنه في رسم ترتيبات الانتقال الديمقراطي في المغرب ، إن تحقيق هذا المطلب الاستراتيجي لن يتأتى بدون صراع سياسي ولا يمكن للحكم السياسي ومعه الأحزاب السياسية ذات النزوع المركزي  أن يتنازل عنه بسهولة لأن في ذلك انتزاع لسلط سياسية مهمة ونزع لطابعه المخزني الاستبدادي ، غير أن هذه العملية بقدرما تتطلب توضيحا مفاهيميا وسياسيا وبرنامجيا تفترض وجود أو إيجاد نخب

5

سياسية وقوى جهوية ذات مشروع إيديولوجي وفكري قابل للتطبيق لطرح البدائل الممكنة للمنطقة ونقلها من حالة التخبط والتردي إلى مستوى متقدم تنمويا وسياسيا وديمقراطيا .

   هناك أسئلة معقدة لا يجوز الاستهانة بها من قبيل المجال الجغرافي للريف وحدوده وطبيعة نظام الحكم الذاتي"4" ، نطرح هذه المحاذير المنهجية لقناعتنا بعدم وجود تراكم لمعطيات علمية ومعرفية شديدة الدقة وبالغة الإجرائية تمكننا من بلورة مقاربة مقبولة ومقنعة حول واقعة الريف والبدائل الجهوية الممكنة .. كما لا تزال طبيعة مهادنة المحيط للأنساق المخزنية موضوع بحث وتساؤل مركزي : هل هي حذرة وتكتيكية مرتبطة بموازين القوى السياسية أم هي استراتيجية ومحسومة ؟ لان افتراض انخراط القوى المخزنية في مسلسل التعبئة المضادة ، في حالة شعورها بتهديد لمصالحها الطبقية ، باستخدام الحمولة الدلالية السلبية لمفهوم الجهوية لما تنطوي عليها من تقسيم وتفرقة لتوفير شروط قابلية دحض الخطاب باستخدام الموالاة من نخبها الاحتياطية للتضييق على إشعاع هذا الخطاب ، غير انه في حالة الريف الذي يكثف بعدا ثقافيا قويا في خصوصياته لا يرجح أن تتوفق فيها القوى المخزنية واليمينية في الوصول على مآربها بالحد من نفوذ وتغلغل الاطارات السياسية والجمعوية في المحيط الشعبي الجهوي ولو أن المحركين الاساسيين في الوقت الراهن لهذه الحركة لا يحضون بتأييد واسع دون أن يكون ذلك مسوغا للحكم على عزلة هذه الحركة التي تتضمن خطاباتها قابلية الانتشار السريع لخطاباتها الثقافية والسياسية .

إن الطريق نحو فرض نظام الحكم الذاتي ليس معبدا بالشكل الكافي كما أنه ليس مفروشا بالورود أو يمكن أن يكون هبة سخية من  الحكم المركزي ، كما أنه واهم من يعتقد أن مجرد طرحه كشعار يمكن أن تقبل عليه الجماهير بلهفة بالنظر لكون غالبية هؤلاء منشغلون بواقعهم المعيشي وبإكراهاتهم الطبقية والاجتماعية ويجعل من الصعب الاقتناع بالبديل لما يتطلبه من وقت لتحقق نتائجه الاجتماعية غير الآنية، مما يتطلبه من مجهود جبار يجب أن يبذل بتكاثف لكل الإرادات الجهوية والقوى الحية لتأصيل الخطاب وإقناع عموم مكونات الرأي العام بأهميته الاستراتيجية في رسم مستقبل المنطقة الريفية ،قوامها تشجيع عوامل انطلاقها وازدهارها الاقتصادي والثقافي والسياسي في محيط خال من الإرهاب الفكري وينعم أبناءه وبناته بالسلم والأمان ويساهم في توطيد مقومات التآخي بين شعوب البحر الأبيض المتوسط .

 
الحسيمة في:04/08/2007     

علي بلمزيان                                         المنسق العام للجنة إعلان الريف / الحسيمة  

هوامش :

1-     مفهوم نظام الحكم الذاتي برز أول مرة في أدبيات الأمم المتحدة ليعني نوع من الاستقلال  المشروط تمنحه الدول الاستعمارية للشعوب المستعمرة "بنصب الميم" قبل أن يصير تدريجيا شكلا من أشكال اللامركزية السياسية في إطار الدولة الديمقراطية ، وله عدة توصيفات سياسية غير أن جوهره السياسي يرتبط بنموذج

6

2-     للجهة لها سيادة محلية : برلمان جهوي وحكومة جهوية ومراتب للتقاضي الجهوي ويمكن في حالات معينة أن يكون لها دستور جهوي كما هو الحال في بعض الدول الفيدرالية ..

3-     إن المفاوضات بين الدولة المركزية والحكم الذاتي يدور حول نظام الضرائب وكيفية توزيع الخيرات بين الجهات وحدود الحكم الذاتي ..

4-     في التجربة المغربية يمكن للدستور المقبل الديمقراطي أن ينص بالإضافة إلى أمازيغية المغرب إلى كون هذا الأخير مقسم بين مناطق مشمولة بالحكم الذاتي في إطار اللامركزية السياسية مثل الريف ،سوس ، زيان زعير.. ومناطق جهوية مقسمة في إطار اللامركزية الإدارية ، كما لا يجوز أن تحدد عدد الجهات بشكل قبلي بل يمكن أن ينص ذات الدستور على أن الجهوية حق دستوري مضمون لكافة المناطق رفق إرادة مواطنيها ، وبذلك سيكون شكل الدولة مزدوجا يجمع بين طبيعتها الموحدة البسيطة وطبيعة مركبة تشبه الدولة الفيدرالية ،

5-     هناك إشكالية في التقسيم الجهوي المنشود فالريف الثقافي الذي يشبه بلاد الباسك الاسباني هو الريف اللغوي الذي يتحدث باللغة الريفية ، يمكن أن تصبح اللغة الامازيغية الأولى للجهة بعد العربية واللغات الأجنبية وهذا يعني إقليمي الناضور والحسيمة والمناطق المجاورة ،غير أن هذه الإشكالية يجب أن تحل من قبل السياسيين في ارتباط مع الأبحاث التاريخية والسوسيولوجية لكشف اتجاهات الرأي وسط الجهة التي قد تمتد إلى مستوى قطب الشمال بأكمله باعتباره إطارا تتكامل فيه العناصر التاريخية والجغرافية والجيو-ستراتيجية في بعدها المتوسطي فضلا عن توفره على كل مواصفات التكامل الاقتصادي ..

انتهى/

 

 
 
   

أرضية ملتقى الحوار الجهوي شمال/ ريف

طبيعة وممكنات الرهان الجهوي ومداه في استحقاقات اللحظة الراهنة ؟

=جهة الشمال نموذجا=

 

تقديم لابد منه :

وقعت على هذه الورقة التي سلمني إياها أحد الأصدقاء ونظرا لكونها تحمل توقيع الأستاذ على بلمزيان فقد آثرت الاتصال به قصد التحقق من صحتها و أخذ موافقته من أجل نشرها نظرا لأهمية الأفكار الواردة فيها واستطلاع رأيه فيما يجري ، فأكد لي وجودها فعلا غير أنه أضاف أنا لست معنيا بها الآن دون أن يعني ذلك التملص من كوني كاتبها ،وبالتالي لا يمكن لي أن أعطيك الموافقة أو رفض نشرها لأن الإطار الذي كان قد بدأ هذا الحوار انتهى بعد أن أخذ كل واحد من أعضاءه سبيله الخاص لكنه رفض مدي بأسماء هؤلاء مكتفيا بالقول أن عددهم قليل جدا وليس هناك أدنى أهمية في إثارة الأسماء وربما الورقة نفسها غير جديرة بالنشر بعد أن انتهى السياق الذي جاءت فيه ووجود سياق جديد يحتاج إلى تحليل مغاير للتطورات و بتقديرات دقيقة وموضوعية ولو أن الورقة استطاعت ، في حدود معينة، التنبؤ بجزء كبير من التحولات التي نعيشها اليوم في أقوى لحظات الأزمة المجتمعية التي فرخت وتفرخ مختلف عيوب ومظاهر بؤس النخب السياسية التي تكيفت غالبيتها مع سياسة الإرغام بالتراضي ليلعب أطرها دور النفاخين في مزامير السلطة السياسية كما تفعل العديد من الأحزاب والجمعيات التي ارتضت لنفسها موقعا دونيا في الدعوة والدعاية لما يسمى بالجهوية الموسعة والمتقدمة ، أحكام ونعوت تسبق إخراج المضامين إلى حيز الوجود ، فهي تحكم على شيء غير موجود بعد وهو في حكم العدم .. على الأقل هذه الورقة كانت قد أطلت نقاشا حرا دون أن يكون هناك إيعاز من جهة ما ، أما اليوم فكل شيء تهيئه ماكينة القصر لتلقيه بعد ذلك للزبناء / الأحزاب فيقبلون بلهفة على استهلاك السلعة والترويج لها .. إنه بؤس الموقـع والموقف.. ! وما دام الجو العام مشحون بالدعاية للجهوية الموسعة فدعني أقول لك أنه صار مهما أن يصحح غلطين واكبا عملية نشأة هذه البروباغاندا المخادعة ،أولها أن الجهوية جزء من النظام الديمقراطي وليست حقلا منفصلا عنه كما أن مستوياتها تعكس موازين القوى في الصراع السياسي وبالتالي فما يجري التهييء له حاليا لا يتعدى طرح مشروع جهوية ممنوحة من قبل المخزن ، ثانيا : إن المشروع الجهوي أيا يكون طبيعته هو مشروع سياسي بالدرجة الأساسية وبالتالي كان حريا بالدولة أن تطرحه في إطار تسوية سياسية لأزمة تدبير العلاقات بين الحكم المركزي والجهات وتنتدب بالتالي ثلة من النخب السياسية الحزبية، وليست الأكاديمية، لإعداد المشروع بدل أن يطرح المشكل بالشكل الذي طرح به كما لو كانت مسالة الجهوية ذات طبيعة ثقافية ؛خطاب مستتر ومضمر لحقائق أخرى ستنكشف مستقبلا بكونها تستهدف إبراء ذمة الدولة من مسؤولية تأخير اللحظة الديمقراطية الحقيقية وتحميلها لعوامل وأطراف أخرى..

واهم أو مخادع من يعتقد أن المعضلة السياسية في المغرب يمكن حلها بالتظاهر، كل مرة ، وكأن القادم من الأحداث والتحولات ستحمل معها حلول شافية ، وقد جاءت الآن لحظة الدعوة للجهوية الموسعة مقرونة بالحد من ظاهرة الاستئثار بالسلطة برغبة منفردة للسلطة السياسية نفسها ، فمتى كانت في الدورات التاريخية المعروفة ، منذ اليونان إلى اليوم ، أن وجد مثال واحد شهد فيه تنازل المستأثر بالسلطة طواعية عن سلطته حتى يصدق في المغرب هذا الاستثناء ! كل ما هناك أن الناس أعيتهم سنوات القمع وملوا انتهازية الأحزاب ووصوليتهم فأصبحوا يرضون بكل شيء بما فيه استتباعهم كغوغاء علهم يخففون من وطأة بؤس وضعهم !!!!!!!!

بعد هذه التوضيحات الهامة التي تفضل بلمزيان بالإدلاء بها تقوت لدي الرغبة في نشر هذه الورقة رغم أنها تعكس سياق مختلف ومع ذلك تكتسب راهنيتها في إثارة الجهوية : سؤال استقطب ثلة من المناضلين والفاعلين السياسيين بجهة الشمال الذين التأموا بشكل تلقائي في مائدة حوار غير رسمية بطنجة 12 ماي 2007 نظرا لأهمية الإشكالات التي تثيرها هذه الورقة ننشرها لـأول مرة لمزيد من الاستفادة .

حاول مجموعة من المناضلين ، في حوار داخلي ، مطارحة الإشكالية الجهوية  بإثارة عدة مقاربات ومنطلقات النظر إلى القضية من زوايا مختلفة لاختبار الإمكانيات الحقيقية التي يسمح بها الواقع بمختلف مظاهره الثقافية والتاريخية وتعدد هوياته مستحضرين خصوصية هذا الطرح في الظرف الراهن المحكوم بمبادرة الحكم الذاتي التي أطلقها النظام المغربي لإيجاد حل سياسي لقضية الصحراء الغربية، عامل ساهم في مضاعفة من سرعة المطالبة بالحقوق الجهوية  ، لدرجة أن العديد من الأطراف السياسية والثقافية والحقوقية حاولت الدخول على الخط لتحذير المسئولين من مغبة استثناء باقي الجهات المغربية من حقها في التمتع بنظام الحكم الذاتي أسوة بما هو مطروح في الصحراء ..كل هذا طبيعي غير أن الشاذ في هذه العملية هو أن تنبري بعض الأصوات المحلية وتقوم بالصراخ والاحتجاج ضد التيار ، سواء بإيعاز أو بدونه ،معلنة في مجمل ما يمكن أن تقولها ،أن هذا الطرح الجهوي يشوش على مبادرة المغرب لحل قضية الصحراء بل ذهب البعض بعيدا إلى حد نفي أن يكون للريف خصوصية تسمح بمقارنته بتلك المنطقة وبالتالي فهو غير جدير بهذا الاستحقاق حسب هذا الطرح !!

ملتقى الحوار قبل أن يصطدم مع هذه الصحيات النشازة ،التي وإن كان دافعها سياسوي ضيق فهو يعكس عمقا آخرا للمشكلة والتي تتجلى، حسب بعض التقديرات الناضجة والموضوعية ، في ضعف الاستجابة الشعبية في محيطنا الجهوي : الشمال نموذجا ، للطرح الجهوي أو على الأقل لم يتم بعد بشكل علمي افتحاص هذه الحقيقة لنرى مدى ترسخها في بنياتنا الثقافية الجهوية ، كل ما نمتلك عنها في الوقت الراهن عبارة عن انطباعات وارتسامات وتمنيات سياسية . إن الملتقى وقف عند هذه النقطة بالتحليل والنقد والتمحيص وتجنب بذلك محاذير السقوط في نوع من اليقيقنية والوثوقية التي يطفح بها الطرح الجهوي المثار منذ مدة  من قبل بعض الجمعيات الثقافية والحقوقية التي ترفع من سقف المطالبة الجهوية غير عابئة بموازين القوى السياسية والحزبية حتى ، وبظروفنا الثقافية غير المهيأة جيدا لاستقبال هذا الخطاب وتبيئته دون عراقيل ، خصوصا وان العديد من المؤشرات توحي بوجود لوبيات حزبية ومافيا مخزنية جهوية فضلا عن عوائق ابستمولوجية  ستقاوم هذا الطرح بكل ضراوة وستسعى إلى خلق الانطباع بوجود نزوعات انفصالية تتخفى بجلباب الجهوية لتذكير الشعور الجمعي العروبي بالظهير البربري وما يتطلبه من قراءة اللطيف ، من جديد، لاخمادها " أي النزوعات " بالرغم من هذه التحديات فقد اختار الملتقى الخوض في موضوعات الحوارالجهوي  التي يعتقد بأن المرحلة الراهنة  تتطلبها  لكن وفق منهجية بديلة لما هو مطروح حتى الآن ، ويزعم أنها الكفيلة بتوضيح المشكلة أولا وإعطاء أفق متقدم للحل ثانيا ، واقتصرت جلسته الأولى على إثارتها، أي الموضوعات ، تبعا لأهميتها وأولويتها وفق الترتيب التالـي :

1-   في الهوية والتعدد الثقافي لجهة الشمال المغربي :

سيكون من الخطأ مقاربة مفهوم الهوية من منطلق أحادي الجانب خصوصا في مثال الشمال المغربي الذي ساهمت ثلاث ثقافات أساسية في تشكيل ما نعتبره هوية جهوية متعددة الأبعاد ولو أن البنية التحتية لهذه الثقافات متجانسة في سيروراتها التارخية وتشكل أرضية مشتركة لوجودها الاجتماعي وإن تعددت مظاهر وعيها الثقافي واللغوي ،إن الأمر يتعلق بالثقافة الريفية وثقافة اجبالة معززة ببعدها المتوسطي الذي يتشكل من الثقافة المورسكية دون نسيان أنماط أخرى من الثقافات ترعرعت في بنية الجهة ، التوجه التاريخي العام لهذه الثقافات هو التعايش والتعاضد بل والالتحام في الدفاع عن المصير المشترك كما حدث إبان مقاومة الاستعمار الاسباني حيث تحالف الريافة واجبالة بشكل لم يدع مجالا للشك في صحة تجانسهما وارتباطهما الثقافي وارتهانهما بمصير مشترك للعيش معا بالرغم من التيارات التاريخية الجارفة التي سعت ، بعض الأحيان ،  إلى خلق نوع من الانطباع بوجود ما يشبه صداما ثقافيا بين الهويتين.

هناك إذن هوية شمالية ريفية للشمال المغربي معززة بثقافات أخرى متوسطية مثل المورسكيين  أو وافدة على المنطقة من قبيل الثقافة اليهودية التي أجهضت وأبيدت من المنطقة بفعل الحملات التطهيرية التي قامت بها القوى المخزنية والعروبية والشوفينية الإسلامية إبان الاستقلال الشكلي للمغرب . إذا كان الشمال المغربي لا يعني فقط قطبا جغرافيا بل كذلك إطارا تاريخيا وثقافيا وسياسيا ، غير أن الملتقى ما زال مطالبا ببحث أهمية بعض الأسماء في توصيف الجهة ، فالريف مثلا مقولة تاريخية ذات حمولات سياسية شهيرة ومطبوعة بثورة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي وبثقافة الصدام التاريخي مع المخزن، وكلمة اجبالة تعني جزء من القطب الثقافي المشكل للشمال نحت بدوره سيروراته التاريخية ولم يكن غائبا عن تلك المقاومة الريفية ، هناك الموريسكيين الذين اضطهدوا من إسبانيا إبان محاكم التفتيش وكانوا عرضة للتهجير الجماعي من هذا البلد بعد قرون من التواجد في الأندلس ومساهمتهم في نحت ثقافة هذا البلد بهويتهم الثقافية ، إذن لابد من إيجاد معادلة سياسية لتوصيل هذا الترابط القائم بين هذه الثقافات بشكل ينمي ويقوي رهاننا السياسي لبناء جهة ديمقراطية للشمال المغربي .دون أن ننسى دور اللغة الامازيغية الريفية في إعطاء للجهة بعدا ثقافيا متميزا فضلا عن اللغات الأساسية للجهة كالعربية والاسبانية ..

إن الملتقى حاول أن يرسم إطارا للحوار والبحث العلمي في مسارات تاريخية وثقافية ولغوية وسياسية للهوية يمكن أن تشكل أرضية مشتركة للتحرك السياسي في أفق بناء تصور جهوي كفيل بإيجاد حل لمستقبل الشمال في إطار مغرب  متعدد وديمقراطي نقاسمه كطموح مع كل التقدميين والديمقراطيين المغاربة ونسهم بجانبهم، على قدر المستطاع ، في تجسيده على أرض الواقع.

2-   في الاختيارات الجهوية المطروحة لحسم مشكلة الشمال المغربي :

تطرح الجهوية ، لاسيما في أرقى صورها السياسية مثل الحكم الذاتي والاستقلال الذاتي عندما تكون هناك مشكلة، غالبا ما تكون ثقافية ،  تهدد وحدة البلد فتسعى الدولة الديمقراطية سواء البسيطة أو الفيدرالية إلى ابتداع صيغ متقدمة للشرعية السياسية وتقاسم السيادة على جهات تتمتع بالحكم الذاتي يكون بعض الأحيان قريبا من الاستقلال وقد يكون بعيدا منه بحيث لا يتعدى ممارسة شكلا من أشكال اللامركزية الإدارية ، دون أن يعني أن هذا الصنف من الجهوية محكوما دائما بهوية ثقافية بل هناك تجارب لأنماط

من الحكم الذاتي لأسباب اقتصادية ومن أجل التسريع بالتنمية الجهوية والحد من الفوارق الجغرافية القائمة بين الجهات على الصعيد الاقتصادي .

فما هي الضرورة التي تدفعنا إلى طرح الجهوية ؟ هل هناك مشكل ثقافي أو هوياتي يضغط من أجل تفادي احتمالات انزلاق سياسي إلى ما يشبه مسارات انفصالية مثلا ؟

يعتقد الملتقى  أن جهة الشمال المغربي ، بالمعنى الواسع لهذا المجال الجغرافي ، يطرح مشكلا ثقافيا وسياسيا ضاغطا على الدولة منذ مدة طويلة فقد شهد لحظات احتداد وصلت إلى مستوى المواجهة المباشرة ولم يتم إخضاعه إلا عبر الاستنجاد بالاستعمار المباشر كما حدث إبان فرض الحماية على المغرب كما استمرت هذه الظواهر في الانفجار بين الفينة والأخرى حتى بعد الاستقلال وعرفت كذلك فترات مهادنة سياسية مفروضة بمنطق القوة والهجوم الإديولوجي المخزني والحزبي ، كل هذا يوحي أن هناك مشكلا مطروحا  لازال لم يلق بثقله في موازين القوى الراهنة غير أنه لا يمكن تفاديه في المستقبل القريب ولو أن الدولة الآن مشغولة بمشكل الصحراء وغير عابئة بالدعاوى التي تطرح هنا وهناك .

على هذا الأساس فالحكم الذاتي  يمكن أن يكون حلا لمشكل الشمال الثقافي والتاريخي والاقتصادي لاستبعاد افتراضات أسوأ في المستقبل،ويمكن أن تكون مسبوقة بنظام تهييئي أقل حدة من نظام الحكم الذاتي وأكثر مما هو مطروح في الجهوية الإدارية، كما أن هذه المنطقة يجب أن تتمتع ضمن بعض المناطق ذات الخصوصية الإقليمية والثقافية بوضع خاص للجهوية السياسية في المستقبل باعتباره الحل الحاسم والديمقراطي للتوتر التاريخي القائم بين المركز والمحيط . ويمكن أن نتصور منذ الآن هذه الإمكانية ضمن نظام جهوي مزدوج : بين المناطق التي تتمتع بجهوية سياسية أو حكم ذاتي أو ما شابه ذلك وبين مناطق أخرى لا يغلب عليها البعد الإقليمي وتتمتع بجهوية عادية على شاكلة اللامركزية الإدارية ،وتعتبر التجربة الايطالية والاسبانية نموذجية في هذا الصدد . لكن قبل ذلك لابد من النضال لكي تصبح الجهوية خيار وحق دستوري لكل جهات المغرب أو الجهات الراغبة في الإلتآم داخل إطار منسجم سواء ثقافيا أو اقتصاديا أو لغويا أو لاعتبار كل هذه العوامل مجتمعة أو لتوفر البعض دون الأخرى الخ  .

إن الملتقى لا يرى أدنى حرج من استثمار الإمكانيات التي يتيحها ، في الوقت الراهن ، مشروع الحكم الذاتي الذي يطرحه الحكم لحل قضية الصحراء أمن أجل الضغط السياسي لتعميمه على المناطق ذات الخصوصية الإقليمية والثقافية والتاريخية خصوصا وأن هذه الإمكانية

ستفتح فجوة عميقة في الاستبداد الجاثم في ثنايا الدستور المغربي الممنوح وفي شكل نظام الحكم المفروض من خارج صناديق الاقتراع . إن الاستغلال الذكي لهذه اللحظة لمن شأنه أن يعطي دفعة حقيقية للجهوية بالمغرب سيما وأن هناك ضغوطات دولية على النظام المغربي لا يمكن تجاوزها في الوقت الراهن .

غير أنه بالنظر لموازين القوى السياسية الراهنة يمكن أن يخرج مشروع الحكم الذاتي من زمام السيطرة اليسارية والتقدمية وسيحمل القوى السياسية الرجعية إلى قيادة هذا النظام وهذا احتمال غير مستبعد ويجب الحذر من نتائجه السيئة على المحيط الجهوي .بل يبدو من الصعب تفاديه نظرا لضعف النخب الديمقراطية واليسارية ولانشغال غالبيتها في صراعات هامشية مدمرة ، وهذا يدفعنا إلى استنتاج خلاصة متشائمة حول عدم أهليتنا لاحتلال الصدارة في المبادرات السياسية واقتراح الحلول.

إننا نعتبر في ملتقى الحوار أن المهمة المركزية في الوقت الراهن هي جمع الشمل وتأسيس لحظة قوية لانطلاق مطالبة جهوية بالمعنى الحقيقي والسياسي ونبذ الخلافات الهامشية كمدخل لتأسيس نخبة ديمقراطية جهوية مسنودة شعبيا ومتصدرة للأحداث الموصلة إلى مباشرة المفاوضات مع الحكم لإيجاد الترتيبات الضرورية للانتقال إلى تطبيق نظام للمحكم الذاتي ، وهي سيرورة لا يمكن الارتقاء إليها بسهولة .

3-   الأدوات التنظيمية للمشروع الجهوي المنشود :

لقد تراكمت في ميدان وتجارب الجهوية عبر العالم معطيات معرفية هامة معززة بمفاهيم شديدة الدقة والإجرائية في ميادين التدبير والتسيير المحليين بدأ يجد صداه وسط عدد غير قليل من النخب الجهوية المتشبعة بهذا الاختيار السياسي ونلاحظ انبثاق جنيني للتفكير نحو خلق كيانات ذات طبيعة شبه سياسية وإن كانت ما تزال خجولة وحبيسة الطرح الجمعوي الضيق بأفقه الثقافي والإثني المغلق . ويعتقد الملتقى بأن المرحلة تقتضي التهييء للشروط التنظيمية لإطلاق مبادرات سياسية جهوية بما فيها إمكانية الدفع في اتجاه حث الأحزاب السياسية اليسارية بالاعتراف بالمضامين الجهوية للممارسة السياسية احتذاء بتجربة الحزب الوطني الباسكي وباقي التجارب الجهوية الأخرى ، غير أننا نطرح هذا المشروع بخلفيات يسارية ، بالمعنى التعددي لمفهوم اليسار ، يغتني برصيدنا الثقافي والكفاحي الجهوي وبما تحقق من تراكمات على صعيد الفكر التقدمي العالمي الحاسمة في الدفاع عن الكادحين والمضطهدين ،ويعني هذا أنه لابد من إيجاد مرجعية فكرية وإديولوجية للمشروع الجهوي المنشود .

 
إن الأمر يتعلق بثورة ثقافية محلية تضع حدا لطغيان الكيانات الحزبية الكلاسيكية المتشبعة بالوطنية الضيقة والشوفينية والتي سمحت لها الشروط التاريخية والأقدار الجغرافية حصر مراكز الأحزاب في محيط الدار البيضاء /الرباط ، ويعتبر هذا حيفا تاريخيا في حقنا نحن الشماليين بالدرجة الأولى الذي كنا حتى وقت قريب لنا مكاتب لأحزاب سياسية في طنجة وكانت تطوان عاصمتنا السياسية كما كانت الحسيمة مركز ثقل سياسي وديبلوماسي وعسكري
.. ومن حقنا اليوم المطالبة بحقوقنا في استعادة هذه المكانة وإن بشروط أخرى أكثر ديمقراطية ومنفتحة على العصر والحداثــــــة . ومما لاشك فيه أن هذا التصور سيلقى مواجهة ليس من قبل الحكم فحسب بل كذلك الأحزاب السياسية بمختلف تلاوينها بما فيها اليسارية ، لأن المشروع سيفقدها أحد ركائز وجودها السياسي خصوصا وأن هناك أحزاب تعتاش على الهوامش ولا أثر لها يذكر في المراكز الحضرية الكبرى وتستخدمه كورقة ضغط على النظام في المفاوضات السياسية المركزية، لذلك فالمطلوب هوسحب البساط من تحت أقدام هذه الأحزاب المركزية بخلق شرعية سياسية جديدة وفي نفس الوقت التسلح بخطة إعلامية لتبرير الضرورة التاريخية والاديولوجية للمشروع الجهوي و إطلاق حملة سياسية لمناهضة قانون الأحزاب السياسية الذي يمنع بشكل شوفيني قيام أحزاب جهوية .

 

إن مشروع حزب أو أحزاب جهوية ديمقراطية وحداثية بقدرما سيلقى رفضا من قبل الأحزاب الكلاسيكية فإن أطرافا أخرى في حقل العمل الأمازيغي الجمعوي ستتحفظ عليه نظرا لاعتيادها على إطلاق شعارات قومية ليست إلا الوجه الآخر والمضاد للقومية العربية ورد فعل ضدها ، لذلك فالمطلوب إقناع هذه الأطراف للمساهمة  في هذا المشروع ، دون أن ننسى أن هناك أحزاب وطنية لها مصلحة في قيام هذا المشروع إذا كانت فعلا صادقة فيما تعلنه من إيمانها بالاختيار الجهوي الذي لا يمكن أن يكون إلا فعل فاعل لأبناء الجهة ليحكموا أنفسهم بأنفسهم  ولا يمكن أن نتصور طرفا خارجيا سيقدمه نيابة عنهم على الصعيد المركزي وإن وجد مثل هذا الطرح فليس إلا أكذوبة صارخة وضحك على الذقون !!

4- في تعزيز البحث العلمي الجهوي :

إن هذا المشروع السياسي الجهوي المنشود لن يصبح مشروعا جماهيريا إلا إذا تعزز بأبحاث ودراسات علمية حول خصوصيات الجهة ثقافيا وسياسيا واقتصاديا وتاريخيا للبرهنة بشكل مقنع على أن هذا المشروع سيساهم في تأسيس لحظات قوية لانطلاق نهضة تنموية وسياسية وثقافية للجهة وسيعمل كذلك على توطيد الأمن والاستقرار في المحيط الجهوي والمتوسطي ولن يكون إلا عقبة كأداء في وجه تغلغل المشروع الظلامي الاسلاموي ومختلف الحركات الإرهابية المناهضة للديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم وفضاء لازدهار الحرية وثقافة حقوق الإنسان ، هذا الفضاء يراهن عليه استرتيجيا ليكون إطارا لحل كل المشاكل المستفحلة بالجهة والمترتبة عن تراكمات التاريخ السياسي الإقصائي الذي نجم عنه حرمان المنطقة من حقها في اقتسام الثروة الوطنية والسيادة الوطنية وما تعرضت لها من تهميش ممنهج لا تزال آثاره جاثمة على أبناءها ولاسيما في أبرز تجلياتها المتمثلة في ما مورس في حقها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ، كما يمكن لهذا الإطار أن يساهم في الحلول الممكنة   لقضايا الهجرة ومشكلة  سبتة ومليلية والجزر الأخرى التي ما يزال يتواجد  فيها الإسبان . إن نظام الحكم الذاتي هو الكفيل لإيجاد حلول لكل هذه القضايا مجتمعة وذلك تحت قيادة نخبة سياسية نابعة من انتخابات شفافة ونزيهة تعبر عن إرادة كل مواطني الجهة باعتبارهم المصدر الوحيد للسلطة .

ويقترح الملتقى تأسيس مركز للبحث العلمي يتولى مهمة استكشاف خبايا محيطنا الجهوي بالاعتماد على البحث العلمي والتاريخي ويكون مركزا متخصصا في الدراسات الأكاديمية الجهوية ، وقد عهد لأحد أعضاء الملتقى بإعداد أرضية للمركز سيقدم في اللقاء المقبل الذي تقرر عقده يوم السبت 30 يونيو 2007 بمدينة طنجة .

وأخيرا ألتمس العذر مسبقا من رفاقي أعضاء الملتقى إذا لم أتوفق في نقل كل وقائع اللقاء في هذه القراءة التركيبية والمختصرة لما دار فيه من أفكار وتصورات وآراء ، أملي أن نعمل جميعا في اللقاء الثاني على نقل الحوار إلى مستويات متقدمة وعملية وتنظيمية للخطو خطوة ثانية نحو إخراج المشروع إلى حيز الوجود استجابة لآمال وانتظارات فئات عريضة من المواطنات والمواطنين  والقوى السياسية اليسارية الجذرية بجهة الشمال المغربي  .

في : 27 يونيو 2007

من إعداد علي بلمزيان