تعتبر الجهوية الموسعة أو الجهوية المتقدمة من المفاهيم التي أصبحت تستأثر باهتمام واسع من طرف الكثيرين من نخبنا، من حيث تحديد وإغناء أهميتها السياسية والسوسيوثقافية، فمن شأن التطبيق القانوني لهذا النمط من السلطة أن يحقق الكثير من المرونة في العمل السياسي بالمغرب وكذلك إعطاء دفعة قوية للعمل الإداري والسياسي باعتماد اللاتمركز واللامركزية التي ربما ستحقق بعض القطيعة مع الأنماط التقليدية التي يستوجبها ممارسة فعل السلطة، وعلى هذا الأساس سيقوم الموقع بنشر سلسلة من المقالات حول الجهوية نفتتحها بالعرض التالي.
الجهوية بالمغرب بين التجارب الدولية وخصوصيات التجربة المغربية
- الريف نموذجا -
مشروع نـــــدوة
يستقطب موضوع الجهوية اهتماما متزايدا ليس في المغرب فحسب ، بل بمختلف بقاع العالم ، كإطار واقعي وملائم لبلورة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمحلية تقوم على تعبئة الموارد والطاقات الملحية من اجل تريسخ الديمقراطية وتطوير البناء الجهوي .
وتهتم دول العالم التواقة الى نهوض تنموي حقيقي اهتماما متزايدا بالمؤسسة الجهوية كإطار ملائم للمساهمة في بلورة استرتيجيات جديدة للتنمية .وهي اختيار كوني ، انتهجته الدول الديمقراطية الحقة ، للتخفيف من عبئ التسيير المركزي وتجاوز اخطائه ، عبر نفل جزء من صلاحياتها الى الجهات ، لتقوم النخب المحلية المنتخبة ديمقراطيا ، بممارستها في اطار سياسة القرب . لما عبرت عنه هذه السياسة من فاعلية ومردودية على صعيد التدبير الاداري والتنموي والحكامة الجيدة . غير انه في أحايين عديدة ، وجدت ذات الدولة نفسها تحت ضغوطات مختلفة اهمها سياسية او ثقافية ، تهدد وحدتها وكيانها ، فإضطرت تحت ظروف متباينة ، الى التنازل عن جزء من سيادتها وسلطاتها ، لصالح انظمة جهوية سياسية ذلك بغية احتواء المد الانفصالي الممكن والملتهب في القاعدة بفعل تصاعد العامل الثقافي والهوياتي والاثني .وحسب كل التجارب فان اقصى ما يمكن ان تتنازل عنه الدولة المركزية لحماية وحدتها وشرعيتها الديمقراطية هو منح ما يصطلح عليه بالاستقلال الذاتي لتلك المناطق للحفاظ عن كيان الدولة واستمراريتها .
فالمغرب اصبح موضوع الجهوية ، وخاصة في السنوات الاخيرة ، ضرورة ملحة يقتضيها التطورالسياسي (مسلسل الانتقال الديمقراطي والعمراني تضاعف عدد اقاليم وعمالات المملكة والاقتصادي قضايا التنمية ، وخاصة منها المحلية والاجتماعي طبيعة النسيج المجتمعي المغربي والثقافي تنوع الروافد الثقافية واللغوية. (مما سهل التفاعل الايجابي والسريع بين الدولة ومكونات النسيج المدني والسياسي المطالبة بضرورة تحقيق اصلاح جهوي فعلي يستجيب لتطلعات مختلف مكونات المجتمع السياسية والثقافية واللغوية .الهادفة الى حصول على هامش أوسع في التسيير الذاتي و التخلص من المركزية الضيقة.
و بما أن الظواهر السياسية تمتاز بالخصوصية ، فان درجة الأخذ بنظام الجهوية يختلف من بلد إلى اخر إلا أن كل التجارب ظلت محتفظة بالجوهر الذي هو الاعتراف بذاتية المجتمعات المحلية ، التي قد تكون أقليات سياسية اجتماعية أو عرقية في إطار من التضامن و الإنسجام الوطنيين ، لهذا نجد أن الدول التي عانت من المركزية الشديدة في التسيير و الحكم هي التي تبنت أرقى أشكال الجهوية العصرية كاسبانيا و إيطاليا وألمانيا .
لذا ففي السادس نوفمبر من سنة 2008 م و بمناسبة عيد المسيرة أعلن جلالة الملك محمد السادس قراره المتمثل في العمل بالسياسة الجهوية من خلال الارتكاز على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي : الوحدة ، و التوازن ،والتضامن. بيد أن هذه السياسة الإصلاحية الشاملة التي ستنفذ في كل ربوع المملكة المغربية ستعمد على سياسة جهوية متقدمة متدرجة لخلق أقطاب غدارية و اقتصادية متنافسة ،"لذلك قررنا، بعون الله ، فتح صفحة جديدة في نهج الإصلاحات المتواصلة الشاملة التي نقودها ، باطلاق مسار جهوية متقدمة و متدرجة ، تشمل كل مناطق المملكة ، وفي مقدمتها جهة الصحراء المغربية ، مؤكدين عزمنا الراسخ على تمكين كافة ساكنتها و أبنائها من التدبير الديموقراطي لشؤونهم المحلية ضمن مغرب موحد ، سواء بإقامة جهوية واسعة و ملائمة ،وذلك طبقا لإرادتنا الوطنية ،أو من خلال الحكم الذاتي المقترح متى تم التوافق السياسي بشانه و اعتماده كحل نهائي ، من طرف المنتــظم الأممي .".
و في أقل من سنة وبمناسبة عيد العرش الذي رافقته احتفالات ذات دلالات في الموضوع أبرزها تلك التي شهدتها مدينة الحسيمة . قلب الريف النابض . رغبة ملحة في تقوية مسار الجهوية حيث قال:" وإننا لنعتبر الجهوية المتقدمة و اللاتمركز الواسع ،محكا حقيقيا للمضي قدما في إصلاح و تحديث هياكل الدولة.وإدراكا منا بان الحكامة الجيدة لن تستقيم ،إلا بالإصلاح العميق للقضاء ، سنخاطبك ،قريبا إن شاء الله ،بخصوص الشروع في تفعيل هذا الإصلاح ،بعد توصلنا بخلاصات الأستشارات الموسعة في هذا الشأن ".
بهذين الخطابين المؤسسين لبداية تجربة مغربية جديدة في مجال الجهوية ،و الذي نقل موضوع الجهوية من موقع الأولوية في أجندة الدولة المغربية إلى الموقع المفصلي فيها ،يكون المغرب قد اعلن عن الرغبة الأكيدة في الإنتقال من الجهوية الإدارية إلى الجهوية السياسية القادرة على الحفاظ على الوحدة الترابية للدولة المغربية . ومستجيبا بذلك للقوى السياسية ذات التطلعات التحديثية .الجديدة منها و القديمة .ولتطلعات المجتمع المدني بمختلف مكوناته الثقافية و اللغوية .ذلك أن اللامركزية أو الجهوية المتقدمة أصبحت إحدى أهم الأسس التي تتميز بها الأنظمة المعاصرة بل إنها أضحت مكونا رئيسيا لهذه الأنظمة .
و انطلاقا من هذا التفاعل الهام بين مختلف مكونات المجتمع المغربي و الفاعلين الأساسيين فيه،والذي يعتبر استمرار لمختلف التوافقات التي عرفها المغرب في اكثر من ملف مصيري بالنسبة للشعب المغربي ، خاصة ملف الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو ملف المرأة أو ملف الهويــة الأمازيغيـــــة ،أو غيرهــا من الملفات الأخرى التي لا تقــل اهميـة عن تلك التي ذكــرت فــإن الجــــهوية – بعتبارها ظاهرة سياسية لها امتدادات و انعكاسات متعددة – مثلها مثل كل الظواهر السياسية كما سلف الذكر – تمتاز بالخصوصية الدقيقة ويستوجب الإشتغال عليها الحذر السياسي الدقيق و التسلح بالمنهجية العلمية الرصينة .مما يجعل من استحضار التجارب الدولية و مناقشتها على ضوء التطورات السياسية التي يعرفها المغرب و النقاشات التي يعرفها الموضوع والمطالب التي يرفعها مختلف الفاعلون بجهات المملكة بناءا على خصوصيات المنطقة ،وتقديرات الفاعلين المدنيين و السياسيين و الإعلاميين و التربويين وغيرهم بها ، ضرورة ملحة و ستساهم ، لامحالة، في مساعدتنا على فهم خصوصياتنا أكثر وتحديد المفاهيم المرتبطة بالموضوع بدقة وتأصيلها و تسمح لنا بأجرأتها على أرض الواقع و التأسيس لتجربة مغربية ستكون بدون شك اظافة نوعية إلى الاجتهادات التي يعرفها موضوع الجهوية على المستوى الأكاديمي و السياسي .خاصة وأن التجارب الدولية في هذا الصدد سواء في دول امريكا للاتيتية- التي تشترك جلها مع بلادنا في أكثر من خصوصية – او اروبا ،غنية جدا وبينت أن مشروع الجهوية هو أكبر من رغبة ذاتية أو سياسية تحتكم إلى الإرث التاريخي وحده أو إلى الارادوية- السياسوية لما يطرحه من تحديات محلية كبيرة سواء على المستوى السياسي المحلي وما يستتبعه من ضرورة قيام احزاب ونقابات جهوية او التنموي او التربوي او الاعلامي او الحقوقي اوغيرها .
والمغرب يتمتع ومناطق جهوية واضحة المعالم الثقافية والسياسية والتاريخية ويعتبر الريف الاكبر الممتد على طول قوس جبال الريف بالاضافة الى منطقة سوس والصحراء من اهم هذه المناطق وهو يعادل ، اي الريف الاكبر ،- حسب اكثر من خبير –من حيث قوة البعد الثقافي والتاريخي والجغرافي والتكامل الاقتصادي والبعد المتوسطي ما تشكله بلاد الباسك في اسبانيا مثلا ، مما سمح للفاعلين المدنيين والسياسيين به الى تداول ونقاش أكثر من خيار يجعل منطقتهم تتمتع بما أصبح يكثف اليوم في مصطلح الجهوية الموسعة . ونبتغي من إعطاء الريف كنموذج في هذه الندوة تعميق النقاش بين مختلف الفرقاء حول طبيعة الجهوية التي ينادون بها و المرتكزات الأساسية التي ستنبني عليها ودور كل مقترح في حل للمعضلات الإقتصادية و الإجتماعية و غيرها التي ظل يتخبط فيها الريف منذ الإستقلال و في تصليد التجربة الديموقراطية بالمغرب ككل .
و انطلاقا مما سبق و بغية الوصول إلى النتائج المرجوة من هذا اللقاء الدولي ، و التي تتخلص في فهم عميق لتاريخ الجهوية في العالم و الاطلاع على أبرز التجارب الدولية و الوقوف عند نقط قوتها وضعفها و استخراج العبر من كل تجربة و الاستفادة منها لبناء تجربة مغربية قوية سواء ا في الريف او غيرها من المناطق المغربية المؤهلة لذلك ، من القيام بمجموعة من الأنشطة التي تتوخى تحقيق تراكم معرفي و علمي حول افاق الجهوية بالمغرب |